رئيس المحكمة الدستورية … ماذا يعني إعادة التعيين؟
- هناك مطلوبات كثيرة تنتظرعودة المحكمة الدستورية بعد غياب زاد على الست سنوات
- إعادة تعيين د. وهبي مختار خطوة في الاتجاه الصحيح لتعزيز سيادة حكم القانون
- لابد من استكمال أعضاء المحكمة الدستورية لتعود لمباشرة مهامها
- المحكمة في انتظار صدور قانون (اجرائي) لتنظيم في الرقابة الدستورية
تقرير- دكتور إبراهيم حسن ذو النون:
لم يحظ خبر إعادة تعيين رئيس المحكمة الدستورية في السودان مولانا وهبي أحمد مختار الاسبوع الماضي بواسطة السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بقدر كاف من الاهتمام وذلك ربما لتزامنه مع خبر آخر كان أكثر إثارة وهو الخبر الذي تم بموجبه إعفاء النائب العام مولانا الفاتح عيسى طيفور من منصبه بالإضافة لمساعد أول النائب العام ياسر بشير بخاري ومساعدي النائب العام الثلاثة الآخرين أحمد علي المكتسي وياسرأحمد محمد وعامر محمد إبراهيم, فيما راج تعيين المستشار العام بوزارة العدل ناصر البدري نائبا عاما إلا انه حتى لحظة كتابة هذا التقرير لم يصدر بشكل رسمي ما يؤكد أو ينفي ذلك وتلك قصة أخرى, المهم أن خبر الإعفاء أو (الإقالة) الخمسة الكبار بالنيابة العامة ومعلوم ما بين (الإعفاء والإقالة) من خلط مفاهيم وتلك أيضا قصة أخرى, قد غطى على خبر إعادة تعيين مولانا وهبي أحمد مختار رئيسا للمحكمة الدستورية بعد أكثر من ست سنوات من الغياب أو التجميد أو التعليق(لا أدري ايهم الأصح) للمحكمة الدستورية بسبب التحولات التي حدثت صباح الخميس 11 أبريل 2019م والتي بموجبها ابعاد رئيس الجمهورية السابق عمر البشير من السلطة بعد فترة حكم قاربت الثلاثين عاما إلا قليلا بواسطة نائبه الأول الفريق أول عوض بن عوف والذي دخل منظومة الرؤساء الذين حكموا السودان لمدة يوم ونصف يوم (ساعات حكمه لم تزد على الستة والثلاثين) بعدها ذهب إلى حال سبيله وتلك قصة أخرى أيضا.
غني عن القول إن وجود القضاء الدستوري في أي دولة مسألة في غاية الأهمية لجهة أن إضفاء أي شكل من أشكال الرقابة القضائية على اعمال سلطات الدولة يمثل الضمانة الأهم لسيادة حكم القضاء وللسودان تاريخ طويل مع القضاء الدستوري حيث كان القضاء الدستوري في السودان جزءً من نظام القضاء العادي وكانت تضطلع به الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا ضمن مجموعة أخرى (الدائرة الجنائية – الدائرة المدنية والتجارية – دائرة الأحوال الشخصية- دائرة الطعون الإدارية), ولكن بعد صدور دستور السودان لسنة1998م تم النص على إنشاء محكمة دستورية منفصلة عن الهئية القضائية وقد صدر قانون لها بموجب ذلك الدستور وتم تسمية مولانا جلال علي لطفي كأول رئيس للمحكمة الدستورية وقد حظيت بعض مواد قانون المحكمة الدستورية واحكامها التي أصدرتها ببعض الانتقاد من الممارسين للمهن القانونية والباحثين في مجالات القانون العام خاصة القانون الدستوري.
من الملاحظات الجديرة بالتوقف عندها أن الفترة الانتقالية التي أعقبت انتهاء حكم الرئيس عمر البشير في 11 أبريل 2019م قد تميزت بالاضطراب السياسي مما جعل الفترة التي حددت بعامين قد تمددت ووصلت حتى الآن لما يزيد عن الست سنوات وبحسب اخر تعديل للوثيقة الدستورية (تعديل 2025م) تم النص على تمديد حتى العام 2029م وقد ادي غياب المحكمة الدستورية غير المبرر إلى كثير من التعقيدات القانونية والتي ألقت بظلال سالبة حتى على الأهداف الكلية لثورة ديسمبر 2018م وقد عددت الباحثة إسراء داوؤد الملاحظات من خلال ورقة قدمتها للمنظمة العربية للقانون الدستوري في دورتها الثامنة وكان عنوان الورقة(المحكمة الدستورية في السودان ودورها الإيجابي في تعزيز الاستقرار السياسي), حيث تحدثت عن الاثار التي احدثها غياب المحكمة الدستورية على التطورات السياسية بالسودان عقب انتهاء حكم الرئيس السابق عمر البشير حيث أوضحت أن هذا الغياب قد القى بظلال سالبة على الفترة الانتقالية برمتها, ونادت في التوصيات التي ختمت بها ورقتها إلى ضرورة إصدار وثيقة دستورية جديدة باعتبار أن الوثيقة الدستورية للعام 2019م حدثت فيها خروقات من قبل الحكومات التي تشكلت منذ سبتمبر2019م وحتى الآن أو بالعودة للعمل بدستور السودان الانتقالي للعام 2005م والذي وصفته بأنه يمثل إطارا قانونيا ثابتا لحكم الفترة الانتقالية كما نادت في التوصيات بضرورة عقد مؤتمر دستوري لحل كل المشكلات المتعلقة بالقضايا الوطنية السودانية والتي جلها تتعلق بقضايا وطنية لم يتم حسمها منذ الاستقلال.
ماذا يعني إعادة تعيين دكتور وهبي؟:
وجد القرار الصادر من رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ترحيبا داخل الأروقة القانونية التي اعتبرت أن عودة المحكمة الدستورية بعد فترة غياب زاد على الست سنوات ببضعة اشهر مما يعني أن مهامها المحددة في الوثيقة الدستورية وفي قانون المحكمة الدستورية ستجد حظها من النفاذ والتي يمكن حصرها في الآتي:
– ضمان احترام الوثيقة الدستورية من خلال ممارسة الرقابة الدستورية على دستورية القوانين والتشريعات.
– تفسير النصوص الدستورية والقانونية.
– الفصل في تنازع الاختصاص بين السلطات الثلاث للدولة (السلطة القضائية- السلطة التشريعية- السلطة التنفيذية) ومستويات الحكم الثلاثة (الحكم الاتحادي- الحكم الولائي – الحكم المحلي).
– الحفاظ على الحقوق الدستورية للمواطنين الخاصة بالحق في (المشاركة العامة – الترشيح- الانتخاب).
– صيانة حقوق الإنسان كلها بلا استثناء.
– التحقق في التوازن بين ممارسة الحق في التعبير وعدم المساس بالحق في الخصوصية.
وبرغم الترحيب الذي وجده إعادة تعيين الدكتور وهبي أحمد مختار رئيسا للمحكمة الدستورية والذي يعني أن هذه الخطوة المهمة تشير إلى أن عودة المحكمة الدستورية باتت وشيكة إذ من المنتظر صدور قرار لاستكمال بقية أعضائها ولكن للاستاذ معز حضرة المحامي رأي آخر نشره على صفحته في (الفيس بوك) يوم 26 أغسطس2025م والذي قال فيه(إعادة تعيين رئيس المحكمة الدستورية يمثل سيناريو واضح لما ستقوم به المحكمة الدستورية حيث ستقوم بشطب كل البلاغات المتوقفة بحجة سقوطها بالتقادم متوقعا أن تشمل إجراءات الشطب مدبري انقلاب 30 يونيو1989م.
مطلوبات مهمة:ثمة مطلوبات مهمة تنتظر استكمال عضوية المحكمة الدستورية وتتمثل في الآتي:
-أن يتم استكمال أعضاء المحكمة الدستورية وفق النصوص الدستورية ووفق القانون مع مراعاة كل الترتيبات المتعلقة بحسن الأداء وجودته لاسيما أن هناك مراجعات دستورية لابد من إتمامها حتى تتحقق المقاصد الكلية للمحكمة نفسها.
– رفد المحكمة الدستورية بكل المطلوبات الفنية والتقنية والإدارية والمالية لتتمكن من تحقيق استقلاليتها وحتى تكون على مسافة واحدة من المتقاضين (حكاما ومحكومين).
– تسريع خطوات استصدار قانون اجرائي للمحكمة الدستورية حتى يتحقق لها أداء مهامها الإجرائية على النحو المطلوب.
– استعادة عضوية المحكمة الدستورية لدى المؤسسات الدولية والإقليمية ذات الصلة حتى تعوض ما فاتها من سنوات غياب زادت على الست سنوات ببضعة أشهر.
-نشر كل السوابق الدستورية منذ مرحلة التأسيس الاول للمحكمة الدستورية وفق دستور 1998م ودستور2005م إلكترونيا وورقيا لتمكين الباحثين من متابعة ما جرى ويجري في أضابير المحكمة الدستورية.
-تمكين الباحثين وجمعيات القضاء الدستوري والقانون الدستوري من مناقشة السوابق الدستورية ومقارنة مثيلاتها من السوابق الدستورية على أيام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا سابقا.