
السودان … العلاقات في زمن الحرب
نحو آفاق جديدة
فتحى حسن عثمان
عندما اندلعت الحرب فتحت مصر حدودها واستقبلت ملايين السودانيين لم يتوقع أسوأ المتشائمين أن تتعامل إثيوبيا بهذا البرود مع معاناة اللاجئين السودانيين داخل أراضيها مصرموقفها الواضح تجاه السودان وبعض دول الجوار فتحت مطاراتها لتمرير العتاد للمليشيا
*العلاقات بين الشعوب والدول تنشأ عادة على أسس وروابط عديدة، والدول التي اختارت لها أقدار التاريخ والجغرافيا أن تتجاور تمتد بينها علاقات ثقافية واقتصادية تجارية متبادلة، فتنشأ المصاهرات فتتشابك العلاقات والمصالح، ويمكن أن تتقاطع المصالح فيحدث التدافع والتنافس والصراع حول الموارد. فالسودان يمتاز بموقع استراتيجي فريد، فهو يطل على البحر الأحمر، وهو كذلك الجسر الذي يربط بين شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء، وهو المعبر وحلقة الوصل التي تربط وسط وغرب أفريقيا بالعالم العربي والمقدسات الإسلامية. هذا الموقع جعل للسودان أهمية قصوى للعديد من الدول التي تجاوره والبالغ عددها سبع دول، فالذي يحدث في السودان يمتد أثره لجيران السودان ويتعداهم إلى التأثير في الأمن والسلم الدوليين.
*بهذه المقدمة يتم النظر إلى الكيفية التي تعامل بها جيران السودان مع السودان إبان محنة الحرب الوجودية التي كادت أن تعصف بالسودان لولا تماسك القوات المسلحة السودانية ومساندة جمهورية مصر العربية ودولة إرتريا ووقوفهما مع السودان حكومة وشعباً
مصر الدور الأكبر:
*عندما اندلعت حرب الخامس عشر من أبريل 2023 فتحت مصر حدودها واستقبلت ملايين السودانيين، وبحسب تصنيف وكالات الأمم المتحدة للاجئين تحملت مصر العبء الأكبر، فلجأ إليها حوالي ثلاثة إلى أربعة ملايين سوداني. لم تقم مصر بإنشاء معسكرات أو مخيمات للاجئين السودانيين بل استوعبتهم داخل مدنها المختلفة وعلى رأسها القاهرة. تقاسم اللاجئون السودانيون مع المصريين الخدمات من صحة وتعليم دون أن يشعروا بأنهم لاجئون. هذه الخطوة قامت بها رئاسة الجمهورية بقيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، فصدرت الأوامر بمعاملة السودانيين أسوة بالمصريين.. هذه الخطوة لم تقدم عليها أي دولة من دول جوار السودان باستثناء إرتريا، فهي الدولة الوحيدة من الدول الأفريقية حول السودان التي فتحت حدودها لأهل السودان وعاملتهم على قدم المساواة مع مواطنيها
الدبلوماسية المصرية الدور المحوري:
*جمهورية مصر العربية منذ أول يوم لاندلاع الحرب أعلنت وقوفها مع مؤسسات الدولة السودانية، وأعلنت أن أمن مصر يمثل السودان فيه عمقاً استراتيجياً، وأنها مع سيادة السودان والحفاظ على أمنه وسلامة أراضيه.. لم يشارك مصر في هذا الموقف التاريخي سوى دولة إرتريا.. ففي الوقت الذي أعلنت فيه هذا الموقف المشرف، كانت دول تجاور السودان تفتح مطاراتها وأجواءها وأراضيها لتمرير العتاد والمؤن للمليشيا المتمردة، بل كانت عواصم دول جوار السودان الأفريقية كلها باستثناء إرتريا تستقبل قادة المليشيا ومستشاريها وتفرش البساط الأحمر لاستقبالهم.
*الدبلوماسية المصرية وثقل مصر الإقليمي والدولي دفعت به للدفاع عن السودان، وهو أمر لن ينساه أهل السودان، ولن ينسى أهل السودان التآمر والقراءة الخاطئة لمآلات الأوضاع في السودان من الناحية الأمنية والعسكرية. فظنت عواصم جوار السودان أن المليشيا بانتشارها سوف تحكم السودان، فانطلت عليهم خدعة المليشيا فراهنوا على ذلك، والآن خسروا الرهان إلا مصر وإرتريا، فلم يخيب أهل السودان ظنهم، فكان النصر على المليشيا. جهود مصر الدبلوماسية والشعبية أثمرت وستثمر في المستقبل القريب.
مصر والسودان:
*بعد نجاح ثورة ديسمبر المجيدة وتفاوض الحرية والتغيير مع المكون العسكري وتوقيع الوثيقة الدستورية، تلاحظ أن هناك بروزاً للدور الإثيوبي في المشهد السوداني وزيارات رئيس الوزراء الإثيوبي للخرطوم وقيادة السفير الإثيوبي للوساطة التي قادها الاتحاد الأفريقي بين المكون المدني والعسكري.. سبب ظهور الدور الإثيوبي يعود لمجموعة صغيرة من المطرودين من رحمة الحزب الشيوعي السوداني، من الذين تم فصلهم من عضوية الحزب أو أولئك الذين تركوا الحزب لعدم توافقهم مع خطه السياسي.. هذه المجموعة انضوت تحت منظمة تسمى (الديمقراطية أولاً)، اتخذوا من العاصمة الإثيوبية مقراً لعمل منظمتهم، وهم أصدقاء لرئيس الوزراء السابق عبد الله آدم حمدوك الذي كان يعمل موظفاً في إحدى منظمات الأمم المتحدة بأديس أبابا.
*هذه المجموعة الصغيرة بعد أن تم التوافق على حمدوك أصبحوا هم النواة المتنفذة لقوى الحرية والتغيير، فهم من صنعوا العلاقة الواضحة مع إثيوبيا. *والشئ بالشئ يذكر أن قائد المليشيا عندما تم عرض وساطة آبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي ليصبح وسيطاً صرح قائلاً (العايز يحلق لذقنه بموسى يحلق بيها) في إشارة إلى أن آبي أحمد إذا كان يمتلك تأهيلاً لحل المشاكل فليحل مشاكل بلده الداخلية.
*هذه المجموعة وضمن عوامل أخرى أدت إلى محاولة إبعاد مصر من التأثير في الفترة الانتقالية، ولم تكتفِ شلة ناشطي الحرية والتغيير بإبعاد الدور المصري بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، فأبعدت الاتحاد الأوروبي وفصلت الأوضاع على مقاس دول الرباعية والمبعوث الأممي سيئ الصيت والسيرة فولكر بيريتس.
*هذه الخلفية ضرورية لأنها تكشف جهل هؤلاء الناشطين وعدم إدراكهم لعمق وتجذر العلاقات السودانية المصرية، فالبعد الشعبي يعتبر هو الأساس في هذه العلاقة بين شعبي وادي النيل. يتقاسم السودان ومصر المجموعة النوبية ذات الإرث الحضاري الضارب في عمق التاريخ والتاريخ المشترك والقواسم التاريخية المشتركة.. صحيح وسليم أن السودان به مجموعات اجتماعية تمتد إلى داخل حدود عدد من الدول الأفريقية، والأمثلة عديدة، فهذه الحدود بين السودان وجيرانه رسمها المستعمر ولم ترسمها الشعوب، فلذلك نجد هذا التداخل. والمهم في هذا السياق هو الوجدان الشعبي العام ودور الحكومات في ترجمة هذا الوجدان إلى مشاريع مشتركة تعود بالنفع وتبادل المصالح بين الشعوب.
السودان وإثيوبيا:
ظل السودان يتحمل تدفقات اللاجئين الإثيوبيين طيلة الخمسة عقود الماضية، فإثيوبيا عاشت فترات طويلة جداً تعاني من عدم الاستقرار السياسي.. أقام السودان معسكرات للاجئين الإثيوبيين منذ سبعينيات القرن الماضي في القضارف ومنطقة الشوك بمعاونة الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة، وظلت كافة الحكومات السودانية تدعم وتساند الشعب الإثيوبي في تطلعاته للحرية والديمقراطية حتى تكللت بسقوط نظام منغستو هايلي مريام واستقلال دولة إرتريا عن إثيوبيا.
*تمسك السودان بسياسة حسن الجوار وضبط النفس إزاء تعديات وتفلتات مليشيات الشفتة التي تغض السلطات الرسمية الطرف عن الكثير من تصرفاتها التي تسيء إلى علاقات الشعبين.. لم يتوقع أسوأ المتشائمين أن تتعامل إثيوبيا الرسمية بهذا البرود مع معاناة اللاجئين السودانيين داخل أراضيها.. فبدلاً من رد الجميل للسودانيين على استضافتهم لعقود مئات الآلاف من اللاجئين الإثيوبيين، كان من الممكن أن تكرم إثيوبيا الرسمية وفادة الذين أجبرتهم ظروف الحرب إليها بتوفير الحماية الأمنية لهم، ناهيك عن تقديم الغذاء والدواء وبقية الخدمات، فتعرضوا للضرب والنهب والإذلال على يد مليشيات إثيوبية متفلتة، وحوادث منطقة أولالا تقف خير دليل.
*التباين السياسي والاختلاف في الرؤى من السنن الكونية، والحكمة تكمن في الكيفية التي تدار بها هذه الخلافات والتباينات.. صحيح أن بين السودان وإثيوبيا ملفات عالقة حول ترسيم الحدود وحول سد النهضة، ولكن ظروف الحرب والآثار التي تنشأ عبرها هي أوضاع إنسانية، كان الأفضل لإثيوبيا أن تضع هذه الخلافات جانباً وتتعامل مع القضايا الإنسانية بدون عدسات ذات لون سياسي.
خاتمة:
الحرب الوجودية أوضحت لشعب السودان من من دول الجوار السبع كان سنداً لهم، وهو أمر ستترتب عليه رؤى سياسية واقتصادية وأمنية جديدة تضع كل الأمور في نصابها الصحيح.