آخر الأخبار

الحوار السوداني- السوداني… من إنهاء الحرب إلى بناء الدولة

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

 

*ليس أصعب على السودان اليوم من الحرب، سوى أن يخرج منها بالطريقة نفسها التي دخل بها إليها؛ دولة مثقلة بالانقسامات، ونخبة سياسية تتنازع تعريف الوطن قبل أن تتوافق على كيفية إدارته، ومجتمع أنهكته الصراعات، ومؤسسات تحتاج إلى إعادة بناء، وثقة وطنية تآكلت حتى أصبح الاتفاق على طاولة واحدة في بعض الأحيان أصعب من الاتفاق على القضايا الموضوعة فوقها.

*لهذا تبدو مبادرة تهيئة الحوار السوداني- السوداني، التي أعلنت انطلاقها من الخرطوم، جديرة بأن تُقرأ أبعد من بيان التأسيس والأسماء واللقاء الأول.. فالسؤال الحقيقي ليس متى يبدأ الحوار؟ ومن سيشارك فيه؟ وما الأجندة التي ستطرح على طاولته؟ السؤال الأسبق والأكثر أهمية هو: هل أصبح السودانيون مستعدين أخيراً لإدارة خلافاتهم بطريقة تمنعهم من العودة إلى الحرب؟..هذه هي المسألة التي ينبغي أن تبدأ منها أي قراءة جادة للمبادرة.

*فالسودان لم يعانِ تاريخياً من غياب الحوارات والمؤتمرات والاتفاقيات.. عرف موائد مستديرة ومؤتمرات دستورية ومفاوضات واتفاقات سلام ومبادرات داخلية وخارجية، وتعاقبت عليه مراحل انتقالية عديدة، ومع ذلك ظلت أزماته الأساسية تنتقل من مرحلة إلى أخرى، وتتغير أشكالها بينما تبقى جذورها حاضرة: أزمة بناء الدولة، وعلاقة المركز بالأطراف، وتوزيع السلطة والثروة، والهوية، والعدالة، والمؤسسة العسكرية، والحكم المدني، وكيفية إدارة التنوع السياسي والاجتماعي والإثني والثقافي.

*ولعل واحدة من مشكلات التجربة السودانية أن السياسة كثيراً ما بدأت من الحلول قبل الاتفاق على تعريف المشكلة، ومن تقاسم المواقع قبل بناء الدولة، ومن السؤال عمّن يحكم قبل السؤال عن كيفية الحكم.. ولذلك انتهت بعض التسويات إلى تأجيل الأزمات بدلاً من حلها، وأصبح الانتقال السياسي جسراً إلى انتقال آخر، حتى جاءت حرب أبريل لتكشف حجم الاختلال الذي تراكم تحت سطح الدولة من هنا تكتسب عبارة (تهيئة الحوار) معناها الحقيقي.. فالتهيئة ليست مرحلة بروتوكولية تسبق جلوس المتحاورين، وإنما قد تكون أصعب مراحل العملية كلها.. وهي تعني الاتفاق على قواعد العملية قبل الشروع فيها: من يشارك؟ وبأي صفة؟ وتحت أي ضمانات؟ وكيف تُبنى الثقة؟ ومن يحدد الأجندة؟ وكيف تُدار الخلافات؟ وما حدود دور الدولة؟ وما حدود الدور الخارجي؟ وكيف نضمن ألا تتحول منصة الحوار إلى إعادة إنتاج لموازين القوة السياسية القديمة بأسماء جديدة؟.

*ولذلك تبدو إفادة عضو اللجنة الأستاذ عثمان ميرغني، بشأن صعوبة التكهن بتفاصيل الحوار في هذه المرحلة، ورفض استباق المشاورات حتى لا يصبح الحوار (معلباً) أو مسبق الصنع، منسجمة مع جوهر فكرة التهيئة. فالخطأ الأكبر سيكون أن تعلن لجنة التهيئة الإجابات قبل أن تستمع إلى الأسئلة، أو تحدد المشاركين قبل الاتفاق على معايير المشاركة، أو تضع الأجندة ثم تطلب من القوى السودانية الحضور لمناقشتها.. والنقطة المهمة في البيان أن اللجنة لا تمنح نفسها تفويضاً سياسياً، وإنما تقدم دورها بوصفه تهيئة وتيسيراً واستماعاً وتقريباً لوجهات النظر.. والمحافظة على هذا الحد الفاصل ستكون واحدة من أهم اختبارات المبادرة؛ لأن الميسّر يفقد قدرته على جمع المتخاصمين في اللحظة التي يصبح فيها طرفاً في خصومتهم.

*غير أن نجاح التهيئة يحتاج أيضاً إلى بيئة سياسية وقانونية مختلفة.. فالضمانات التي طالبت بها المبادرة، بما فيها حماية مقار الحوار، وتهيئة مناخ الحريات، والحصانة الإجرائية المؤقتة للمشاركين، وضمان حرية الرأي المتصل بالمشاورات، ومنع استخدام سلطة الدولة للتأثير على النتائج، تفتح قضية شديدة الحساسية: كيف نحقق أكبر قدر من الحرية الضرورية للحوار، مع المحافظة في الوقت نفسه على مبدأ العدالة وعدم تحويل العملية السياسية إلى مظلة للإفلات من المسؤولية؟.

*وهنا ينبغي رسم الحد الفاصل بوضوح بين ما يستوجب الحماية باعتباره رأياً وموقفاً سياسياً، وما يخضع للقانون باعتباره فعلاً جنائياً لا تسقط مسؤوليته بمجرد الدخول إلى قاعة الحوار.. حماية الحق في الاختلاف ضرورة لأي حوار ذي معنى، لكن الحوار لا يستطيع إلغاء حقوق الضحايا، ولا تعطيل العدالة في الجرائم التي لا علاقة لها بالتعبير السياسي. والمصالحة الوطنية التي لا تستند إلى العدالة قد توقف خصومة سياسية مؤقتاً، لكنها تترك بذور الصراع كامنة تحت الأرض.

*أما الحديث عن مشاركة القوى السياسية والمدنية والمجتمعية (دون إقصاء)، فيحتاج بدوره إلى تعريف دقيق.. فالشمول لا ينبغي أن يعني تحويل الحوار إلى حشد ضخم للأسماء والتنظيمات، بقدر ما يعني بناء تمثيل حقيقي للمجتمع السوداني.. السودان الذي سيدخل أي حوار بعد هذه الحرب ليس السودان الذي كان قبل الخامس عشر من أبريل؛ ملايين النازحين واللاجئين، وأسر الضحايا، والنساء، والشباب، والمجتمعات التي دمرت الحرب مدنها وقراها، والإدارات الأهلية، والمهنيون، والأكاديميون، وأصحاب الأعمال، والمزارعون والرعاة ومجتمعات الأطراف، جميعهم أصبحوا أصحاب مصلحة مباشرة في شكل الدولة القادمة.. وهنا تحديداً ينبغي أن نتعلم من الماضي: السودان أكبر من طبقته السياسية.

*فالغاية النهائية من الحوار تتجاوز مصالحة القوى السياسية مع بعضها إلى استعادة المواطن لدولة تحمي حياته وكرامته وحقه في الأمن والخدمة والعمل.. وإذا لم يشعر بأن الحوار يتصل بحياته ومستقبله، فسوف يبقى بالنسبة إليه اجتماعاً آخر للنخب، مهما اتسعت دائرة المشاركين فيه.

*وهنا تبرز مسألة تتصل باستقلال المبادرة ومصادر تمويلها. فترحيب الدولة بها، واستعدادها لتوفير الضمانات والحماية وتهيئة المناخ السياسي والقانوني لانعقاد الحوار، يمثل عاملاً إيجابياً ومطلوباً؛ إذ يصعب تصور حوار واسع داخل البلاد من دون تعاون مؤسسات الدولة في توفير الأمن والتسهيلات اللازمة. غير أن توفير الضمانات والتسهيلات يختلف عن الارتباط المالي المباشر؛ فكلما كانت اللجنة مستقلة مالياً عن أطراف العملية السياسية، ازدادت قدرتها على بناء الثقة بينها وبين المختلفين مع الدولة، وتراجعت الشكوك حول استقلال قرارها، بصرف النظر عن صحة تلك الشكوك من عدمها.