
مثاقفة في المعرفة والمجتمع
أ. د. عبدالله محمد الأمين
المعرفة أو الابستمولوجيا مبحث أصيل من مباحث الفلسفة بالإضافة لمبحثي القيم (الاكسيولوجيا) و الوجود (الانطلوجيا).
وترتبط المعرفة بالرؤية العامة للعالم world view وتبعا لذلك فإن المعرفة إما علمانية تتمظهر في الفلسفة الوضعية أو معرفة توحيدية تتجلى في الفلسفة الإسلامية..فإذا أردنا دراسة المعرفة والوعي في المجتمع السوداني فإن هذا سوف يوصلنا إلى علم اجتماع المعرفة.. كما يربطنا بنظريات الاتصال ومجتمع المعرفة وعلماء علم الاتصال والاعلام والدعوة ونظرية هابرماس مشهورة عند هؤلاء القوم، وقدأضاف بروف عوض إبراهيم عوض لنظريات الاتصال المنبر (منبر المسجد ورسالته) لدوره في بث المعرفة وتجذير الوعي.
النظرة المادية للإنسان والكون هي سمة الفكر الغربي وهي السمة التي عملت الفلسفة الوضعية على ترسيخها بطريقة علمية للوصول الى مشروعية التصورات المادية للعالم، والإنسان الغربي الذي تشبع بهذه المنطلقات الفكرية يجب أن يبحث عن كل شى في محيطه الاجتماعي، قيمه واخلاقه التي يدين بها، وإن الإنسان ملتزم ومقيد بقواعد أخلاقه، ولكن صانع القيد هو وجوده المادي نفسه، لذلك لم يكن من مفر من البحث عن مصدر للحقيقة يكون بديلا للسلطة الدينية ولم يكن هناك من مصدر أفضل من التركيز على الخبرة الإنسانية واستخدام الحواس كأساس للمعرفة.
الظروف التاريخية التي نشأ في ظلها العلم الحديث وتطور أدت إلى صياغة نظرية للمعرفة في اتجاهات تنأى بالعلم أن يكون له أدنى صلة بالتصورات الدينية، فالعلم يقتصر على دراسة الواقع المحسوس أو الواقع الامبيريقي أي الظواهر التي يمكن إدراكها بالحواس، أما المنهج فإنه يركز على الاستقراء، وتبعا لذلك استبعدت الموضوعات التي تتعلق بالقطاعات الاجتماعية والإنسانية وبذلك استبعدت العوامل الروحية والقيم من نطاق الدراسة.
ومن المعلوم أن هناك فكرتان سادتا وشاعتا، هما فكرة الموضوعية والعلمية كصفتين أساسيتين وصف بهما العلم الغربي المعاصر لتسويغ عالميته ونفي صفة الخصوصية عنه بقطع النظر عن خصوصية نموذجه الكلي، وقد ساعد التشكيل الاستعماري الغربي على تدويل نماذجه الحضارية والمعرفية.
نشأة العلمانية والوضعية إشكالية تخص الفكر الغربي نتيجة للصراع الذي حدث بين الكنيسة والعلماء، وبانتصار العلماء تم طرد الدين من مجالات العلوم والحياة وحصره في جدران المعابد، لذلك حينما نأتي لدراسة مجتمعاتنا الإسلامية بما فيها مجتمعنا السوداني_وهي مجتمعات لها رؤيتها للعالم _علينا إدراك أن مناهج العلوم الحديثة ونظرياتها ومسلماتها التي تقوم عليها تتضمن كثيرا مما يتعارض ويتناقض مع التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع والوجود، وأن العلوم الغربية بسبب قصورها واختلالها المعرفي عجزت عن التوصل إلى تفسيرات مرضية للسلوك الفردي أو الظواهر الاجتماعية.
إن من المعلوم أن الظواهر الإنسانية ليست في حقيقتها وواقعها مظاهر حسية وغياب هذا الإدراك الواعي جعل المنهجية الوضعية تقدس الطريقة التجريبية كأسلوب وحيد للمعرفة، والمذهبية الإسلامية تقرر أن الحقيقة العلمية ليست حكرا على التجربة وأن الوجود الواقعي ليس حكرا على الوجود المادي.. وأن الوجود المادي لا ينحصر في العالم المشاهد وحده وإنما هنالك وجود عالم غيبي تخرج معرفته عن نطاق الحواس، ولمعرفة ذلك العالم لابد من اعتماد الوحي مصدرا معرفيا، إذ أن المعلومات التي يمدنا بها الوحي معلومات يقينية وقطعية، والمصادر الأخرى مهما كانت أهميتها فهي ليست مصادر يقينية ولا يمكن أن تقدم لنا إجابات واضحة ودقيقة للتصورات المطروحة.
ينفعنا هذا الطرح الفلسفي للمعرفة لتفسير التاريخ وتفسير الحضارة… وعلى سبيل المثال نحن كأفارقة ومسلمين موصومون بالتخلف والتوحش وأن هذا يلقي على كاهل الرجل الأبيض تحضيرنا.. وقد نصل مع الغربيين في كتابة تاريخنا حتى مرحلة العولمة الحالية فنحن في نظرهم الهامش وهم المركز وبالتالي فمن حقهم استغلالنا واستغلال ثرواتنا والحرب الدائرة حاليا في بلدنا جذورها فلسفية… والمعرفة سلاح وامتلاك الوعي سلاح مضاد….
التقدم عند الغربيين مادي يمكن قياسه بعدد المصانع والمعامل وترسانات الأسلحة.. الخ.. فهم متقدمون ونحن في نظرهم متخلفون…
بالعودة لرؤيتنا الإسلامية فإن الانسان مكرم فلا يوجد إنسان متخلف.. وإن الذي ينبغي أن يسود بين الأمم والشعوب هو التعارف وليس الصراع، فالاختلاف بين الناس مبدأ تكويني فينبغي أن يتعارف الناس ويتثاقفوا لا أن يتدابروا ويتحاربوا، ذلك أن الجميع عباد الله وأنه سبحانه وتعالى خلقهم لعبادته وهذه العبادة تتطلب صلاح العالم وليس افساده، والتقدم في نظر الإسلام مادي وروحي يتماشى مع تركيبة الإنسان.. وفي خاتمة المطاف فكل شئ مخلوق ومسخر للانسان…
ختاما ونحن ننظر للمجتمع السوداني المطلوب مننا دراسته وفقا لرؤيتنا الإسلامية وخبرتنا التاريخية التي كونها المجتمع بعادته وتقاليده، ولا ينبغي استجلاب رؤى الآخر ودراسة المجتمع السوداني.. وعلى سبيل المثال يمكن الاستفادة من كتابات حسن نجيلة عن المجتمع السوداني (ملامح من المجتمع السوداني… ذكرياتي في البادية… الخ) وكتابات الطيب محمد الطيب وروايات الطيب صالح وبركة ساكن وأشعار السودانيين.. وكلها تفيد في تقعيد الموضوع المطروح.. ونأمل أن لا يكون الطرح تقليديا يجتر ما هو معلوم بالضرورة.
٢٠٢٥/١/٢٦