
موناليزا الكتابة قصة كتابة نص ومناخات الحنين
عبد اللطيف مجتبى
هل كنت ليونارد دافنشي حينها عندما كانت ماثلة أمامي كليزا جيوكندا؟ عندما كنت أغمس فرشات الكلمات في دوات لونها وهي جالسة على كراسي ذاكرتي كأميرة لملك عضود في خاطري؟ كان كل شيء عبرها يسيل من قلمي لونها وخلايايها التي تنبض بالمحبة و شعرها الذي ينفرد بقلبي و يعزفه كآلة موسيقية بديعة و عطرها الذي يملأ المكان.
حينها كانت تكتبني الكلمات في ذلك النص الذي أرهقني كثيرا..
حملته بين حناياي كأبريق درويش متبتل.. لست أدري كيف نجا في ذلك اليوم المشؤوم من براثن العسكر الذين اقتادونا – على حين غرة – إلى مخفر أو بيت أشباح بالأحرى. و فلفلوا متعلقاتنا بتمحيص ليجدوا فينا بغيتهم و يتلذذوا بتعذيبنا.. لست أدرى كيف نجا ذلك النص وكان بين يديه كقرطاس تسالي اشتراه من بائع قديم..
كان الحرف ثخينا و النهار الساخن يجعلني أتنزي بالخواطر و كذلك القلم الذي يعبث بين أصابعي بالكلمات..
تبا لها من حالة قاهرة لماذا كل هذا الوجد وكل هذا الأرق..؟
إنها لحظة كانت هناك بين خريف في الخاطر يمطر فيه القلب و تسيل العروق أودية مثل وادي العواتيب أو أزوم جارفة معها نبضات قلبي و ذاكرتي بل وعقلي كله
لحظات الكتابة في ذلك الصيف الذي أمطرت فيه على سماء قلبي ( لماذا تدخن هكذا) كانت لحظات مثل التلوين على اسكتشات قديمة.. لست أدري هل كنت أحبِّر في ذلك الكلام أم أكتبه لأول مرة؟ و كذلك لست أدري أإنها هي القصيدة كانت أم القصيدة هي التي أكتب!
كنت اسميتها (خفوت) نسبة لحالة مركزية كانت تتمفهم في خاطري رغم حالة الشعر التي كانت تتسيل كعرق ينز من سماء الحقائق و خرافات الكتابة التي يحاول أن يتمسك بها الشاعر مثل فنجان ممزوج عبقه بدخان سجارة كثيف تطفو فوقه الرؤى و الأحلام؛ تلك اليائسة الواهية
كان هذا في منتصف التسعينيات
كان خريفا في البال و صيفا قائظا في ذلك المكان المحفوف بأفواف من ذكريات و ماض تليد يقبع بين يدي مفترق الطرق على شارع الموردة.
كانت تضج بنا تلك الدماء المشرئبة إلى الحياة و التي تنظر إلى مستقبل بين فجاج الأمل وسط ركام مخلفات الساسة و معارك الجنود.
إنها لحظة ربما كانت ماثلة في كتاب الرمل لبورخيس – على ما يبدو – فالكلمات و الخواطر و الأفكار وورقتي البالية كلها مفتوحة على بعضها بعضا لا أجد لها بداية ولا نهاية، بين كثبان الشوق تلك المترامية الأطراف.