
المسرح في مناطق النزاع من ملكال الى اشتودغارد وما بينهما من أنحاء المعمورة
دهاليز
علي مهدي
عدت يا سادتي في الصباح، وعلى غير العادة الطريق جفت منه مياه ليالي أتمن الخمسة دون انقطاع،
وفؤادي مشغول عليها الساحة في معسكري للأطفال المجندين السابقين و(ملكال) تسعد بي.. حضور ومطر وبرق في أوقات السحَر وقبل ظهور الشمس المدللة ونثرها على غير عجلة شقائق الضوء، خافت نعم، لامع أكيد، وكنت قد تركتها مدينتي وقريتي، وأطفالي فيها مع الأمهات ما فرحوا لسفري العاجل هذا.
وقد دعيت الى أبعد منها (الخرطوم)
ووصلتها مدينة (امست ) غير بعيد عنها (فينا ).
كانت رحلاتي السابقات يوم لا اكون على عجلة من أمري، ويندر هذا، امتع روحي ونظري ثم بصري، وبينهما فرق، بتلك التصاوير الحية، والناس يمشون يومها في الأسواق بلا تخصيص،وبينهم أمشي دون أن تأخذني عدوى الراحة.
وأعود أجلس في مكتبي، يخصص لي كل زيارة ويعود الى اصحابه بعد سفري، واجتماعي ذاك كان يُكرس للاطلاع على تفاصيل أقرب لتقريري عنها بدايات المشروعات، وقد تداخلت، استقرار أطفالي في قرية الأطفال (sos ملكال)، ومعسكر الأطفال المجندين السابقين في (ملكال ) .
باعدتُ بين المؤسستين، وقبلوا اتصال واستمرار الفكرة، وعززوها بتوسيع المشاركة فيها لأطفال من خارج المدينة، وقد وصلوا فور وصولي. وتلك مهمة أعقد اخرى،
ما كنت قد انهيت عذاب روحي الأول من عدم اندماجهم ، حتى جاءت فرقة اخرى منهم، أكثر عنفاً ورفضاً لكل فرص الاندماج الجديد في المجتمعات المدنية في المدينة.
وبرنامجي لم يكن إعادة التدريب أو التاهيل المهني.
كنت منشغلا، وبتعبير اعتذر عنه كانت حبال الفكرة إعادة إدماجهم في المجتمع المدني، والسعي الجاد ليتخلوا عنها أساليب العنف الظاهر والباطن بينهم، وعلى أنفسهم.
وتلك هي المعضلة.
وما إن هبطت طائرتي مطار (ملكال)،
وكان عليها أن تلف حوله لثمان مرات، تتفادي مدفعية تحرس أطراف المدينة، ونجحت كثيراً في هبوط آمن، واستقبالي تلك الظهيرة مغاير، بالاضافة لبعض أطفالي والأمهات في القرية، كان هناك اربعة من الصبية، طوال القامة، وقفوا غير بعيد، ومشوا نحوي ،حملوا أغراضي على قلتها بلا كلمات صامتين، ونظر وصوت وأطفالي تعلقوا بي، وتسمع الأمهات:
( يا ولد خلي بابا يرتاح، يا بت اسمعي كلام بابا، يرتاح بعدين العبوا)..ولا حياة لمن تنادي،
وكانت المرة الأولى التي يدخل فيها الصبية من المعسكر القرية، وقفوا بعيدا وذهبت اليهم، ومعي حرس كبير من الأطفال، وفي صمت مشينا نحو المعسكر.
ولم اكن أتوقع ذاك الاستقبال، نعم ترحاب يخلو من العناق أو كلمات، أقلها أن تكون في باب اهلا وسهلا، لكنك تفهم منها أنهم سعداء بعودتي.
وأدركت يومها في المساء وأنا أحكي لأمي (مريم ) أن الأمر قد ينجح ،
قالت وفرحها يخالط سعادتها بعودتي ونجاح نصائحها: (ما قلت ليك يا جنا حشاي عيال ديل كويسين ، أنت ذاتك كويس، باكر جرب حاجة تانية،
اي أعمل تمثيلية، راجل وراجل كبير، اي حاجة وتشوف حنتجح..اسمع كلام أمك، ورق خلي بعيد، أمشي بدون ورق ، واقعد المرة دة في النص. أاي وسط الشفع، واحكي، وقوم على حيلك، مثل ليهم كيف الفيل يمشي والأسد، والقرد بنطط وبعدين اسكت)..
نعم تلك كانت خطة، قلت عنها في أوراقي لما ناقشتها لجنة الهوية في اجتماعها الأشهر في (المكسيك) وأعلنت أن (منهج المسرح في مناطق الصراع ) أقرب للممكن لبناء السلام بقدرات الفنون..ووقفت بعدها محاضراً في قاعة مسرح( لماما -نيويورك) أقول أنها أدوار فنون الأداء في بناء السلام .
في كل صباح نجري تمارين للإحماء طبقتها في ورش عالمية في مدن مثل (طوكيو – اليابان ).. ورغم اختلاف الفكرة لكنني الأسعد لأنهم هناك درسوا المنهج وكانوا قد أرسلوا سيدة فاضلة أمضت معنا أكثر من أربعة اسابيع تشهد تمارين فرقة البقعة على منهج ( المسرح في مناطق الصراع ) عادت الفكرة منهج فيخ ما فيه من القواعدية والترتيب، نجح طلابي في جامعة (لندن) ذاك النهار في الحوار حولها طرق التدرج في التدريب، وارتفاع وتيرة الإلمام بها بالقدر المستطاع.
وبعدها في (المكسيك) صنعت التفاهمات بيني وأهلنا( الالمان)،
ووقعنا اتفاق أولي، استكمل بالوثيقة الأهم في (بيت مهدي فرع الرياض) .
ثم سفر الأحباب الي (فرانكفورت) وبعدها (اشتودغارد )..وتلك حكاية أخرى .
لكن الأحباب قبل السفر جلسنا في قاعة مكتبي في شارع الجمهورية في الخرطوم لأسابيع، نعمل باتقان، تدريب على مشهد من رواية
( الرجل الطيب من سيشوان )
ولم اعشق الكاتب، ولكنه كان جزء من اتفاق العمل، بل أن العرض القصير والتدريب عليه اضحي المرشد العلمي لبرنامج هو الأول من نوعه بين المسرح الوطني – مسرح البقعة، وبين الهيئة الدولية للمسرح (ITI- المانيا)، وافضى بعدها لنتائج كان لها ما بعدها قطرياً واقليمياً وعالمياً.
واتفقنا على ايفاد ثلاثة عشر مبدعاً لفترة تدريب طويلة كانت في وقتها، وتلك حكاية أخرى عنها الاتفاقية ثم الورش التي تلت في الوطن وعواصم أخرى في العالم ، لذاك هو مشروع (فني علمي إنساني خلاق )
من (ملكال) عبر البقعة الى (اشتودقارد المانيا ) وفضاءات المعمورة باتساعها وما سجل بعدها من نجاحات لها في الجوائز العالمية إشارات..