
حميدتي يؤدي القسم بيدٍ ملطخة بالدماء والفاشر تحترق
عمرو خان
*بينما كانت الفاشر، المدينة التاريخية في شمال دارفور، تُحاصر منذ أكثر من 500 يوم وسط قصف متواصل ومجاعة تطرق أبواب مئات الآلاف من الأبرياء، اختار محمد حمدان دقلو (حميدتي) أن يظهر في مشهد سياسي جديد، مؤديًا القسم على رئاسة ما سمّاه (مجلسًا رئاسيًا), خطوة صادمة تحمل في طياتها قدرًا هائلًا من الاستفزاز، ليس فقط لأبناء السودان الذين اكتووا بنيران حربه، بل وللعالم الذي يرى الخراب ماثلًا في كل شارع ومخيم وقرية منذ أن صعد نجم الرجل قبل عقدين تقريبًا
*أي قسم ذاك الذي يمكن أن يقسمه من غُمرت يداه بدماء الأبرياء منذ عام 2005 على الأقل؟ كيف يمكن لرجل ارتبط اسمه بالمجازر في دارفور، ثم لاحقًا في الخرطوم ومدن أخرى، أن يتحدث عن مستقبل أو “رئاسة” بينما الجثث تُركت بلا دفن، والمستشفيات انهارت، ومئات الآلاف من النازحين في الفاشر وأبو شوك يعيشون لحظة موت بطيء؟.
*جريمة إنسانية لا تنتهي: الأمم المتحدة نفسها لم تجد سوى لغة التحذير من (كارثة إنسانية مدمرة)، مؤكدة أن 638 ألف إنسان يعانون من ظروف جوع كارثية، وأن أكثر من 30 مليون سوداني بحاجة عاجلة للمساعدات. في الوقت ذاته، يستعرض حميدتي سلطةً لا شرعية لها، وكأن ما يجري في الميدان ليس سوى خلفية بعيدة لا تعنيه.
*لكن الحقيقة أن هذه المجاعة والحصار والهجمات على المدنيين هي الامتداد الطبيعي لمسيرة حميدتي منذ دخوله ساحة الصراع: من ميليشيات الجنجويد التي روعت القرى، إلى قوات الدعم السريع التي حاصرت المدن وفتكت بأبريائها، واليوم مجلس رئاسي يُراد له أن يشرعن الدم.
*شرعية على جماجم الضحايا: المفارقة المرة أن المجلس الجديد لم يُبنَ على رؤية سياسية أو توافق وطني، بل على منطق القوة والسلاح والدمار. الشرعية الحقيقية في السودان اليوم ليست شرعية حميدتي ولا قسمه، وإنما صرخات ملايين الجياع والمشردين الذين يبحثون عن ماء صالح للشرب، وعن طعام يسد رمق الأطفال، وعن دواء يقيهم الموت، وعن وطن لا يكون ساحة حرب عبثية.
*لا مستقبل مع حميدتي: أي مشروع سياسي يطرحه حميدتي اليوم لا يمكن أن يُقرأ إلا كغطاء على جرائم مستمرة. كيف يُبنى السودان على يد من تلطخت يداه بدماء السودانيين في دارفور والخرطوم والجزيرة؟ وكيف يمكن أن يتحدث عن وحدة أو انتقال أو حكم بينما هو المسؤول الأول عن تمزيق النسيج الاجتماعي وتعميق الكراهية وإشعال نيران الصراع القبلي والعرقي؟
*الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة محاصرة, إنها رمز لحقيقة دامغة, أن حميدتي ومجلسه المزعوم لا يمثلان سوى استمرار الحرب، بينما يحتاج السودان إلى وقفها فورًا، إلى سلام شامل، إلى محاسبة، وإلى استعادة الدولة من قبضة الميليشيا.
*كلمة أخيرة: لا قيمة لأي قسم يؤديه حميدتي ما دام على جماجم الأبرياء. لا شرعية لمجلس يُولد من رحم الدم والموت. الشرعية الحقيقية اليوم في السودان هي شرعية حماية المدنيين، ووقف الحرب، وتقديم مجرميها إلى العدالة
كاتب صحفي مصري*