
أوروبا وأمريكا…هل حان الفراق (4)
علي عسكوري
*الحرب الوحيدة التي شنها الحلف كحلف، فهي الهجوم على ليبيا لاسقاط نظام الرئيس معمر القذافي العام ٢٠١١، وقد قاد الناتو الحرب بناء على قرار مجلس الأمن الدولي ١٩٧٣ والذي نص على: (استخدام كل الاجراءات الضرورية لحماية المدنيين اوردنا هذه التفاصيل للتذكير بالتناقضات التي تكتنف اهم تحالف عسكري بين أوروبا وامريكا فقد بدأت كرة ثلج تتدحرج بالتزامن مع تفكك روسيا، ورغم ان الحلف شارك كحلف في حرب يوغسلافيا في عقد التسعينات ثم حرب كسوفو التي تلتها، إلا أن كل ذلك لم يوقف تدحرج كرة ثلج التفكك وها هو الآن يواجه قرارات مصيرية.
*ومع التطورات الجيوسياسية الكثيرة اصبح الحلف منذ فترة يبحث عن مبررات لاستمراره، وبدأ واضحا أن امريكا زهدت فيه وطالبت الاوروبيين بتحمل تكاليف الدفاع عن قارتهم
في إشارة واضحة إلى أن أوروبا تبحث عن بدائل للحلف، صرح الرئيس ما كرون إلى أن على أوروبا تأسيس جيش خاص بها يتولى الدفاع عنها (مقالي الأول).
*وكما يجري المثل الشعبي (كثرة النقة تقود للطلاق) يلاحظ تصاعد الخلافات والتصريحات بين أمريكا وأوروبا، حول القضايا الاستراتيحية (حرب اوكرانيا) وقضايا التجارة والتعريفة الجمركية، والمواجهة التي تلوح في الآفق حول جزيرة قرينلاند وقضايا الهجرة.
*لاشك أن الاوروبيين اصبحوا مقتنعيين أن امريكا لم تعد تهتم بأمنهم، وانها تسعى لاستتباعهم واستغلال فوائضهم الاقتصادية لسد العجز المالي الضخم في ميزانياتها وهو أكبر عجز مالى في التاريخ ( ٣٨ ترليون دولار ومتصاعد). سنرى إن كان الاوروبيون سيقبلون بذلك.
*هنالك أمر آخر في غاية الأهمية سيحدد مآلات العلاقة بين أمريكا واوروبا.. لأمريكا أكثر من ٣٧ قاعدة او موقع عسكري موزعة بين عدد من الدول الاوروبية يفوق عدد الجنود فيها ال ٨٠ ألف جندي مع عتادهم والياتهم واللوجستك المصاحبة.. تطور الاحداث حول مصير هذه القواعد سيحدد الشكل النهائي للعلاقة بين امريكا واوروبا.. هل ستستغني اوروبا تماما من القواعد الامريكية وتنهض للدفاع عن نفسها ام ستحتفظ بها وتتجه للقبول بنوع من الاستعمار المستتر والقبول بغطرسة وازدراء الرئيس ترمب ومن يأتي بعده والانتقاص من سيادتها.. السنوات القادمة ستكشف مآلات الصراع.
*من المستبعد وقوع حرب بين امريكا وأوروبا حول جزيرة قرينلاند، ولكن أي ضغوط تمارسها امريكا على أوروبا للحصول على تنازلات ستعمق من شروخ الفراق الاستراتيجي والقطيعة بينهم.
*بالطبع لأوروبا كروت ضغط كثيرة يمكنها استغلالها، خاصة وان علاقة أوروبا مع العالم أفضل من علاقة امريكا معه.. ولذلك بوسع أوروبا الاصفاف مع بقية الدول المؤثرة خاصة الصين، بل حتى روسيا نفسها لحماية أمنها وتطوير التجارة والتبادل معها، وذلك بالضبط ما فعله رئيس الوزراء الكندي والراجح أن دولا اخرى ستتبعه.
*زبدة القول، إن العلاقة بين أمريكا وأوروبا في غرفة الانعاش وأن التحالفات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية فقدت معناها.. إننا في عالم يتشكل من جديد حسب المصالح الاقتصادية.. كلما تأزمت العلاقة بين امريكا وأوروبا، ستجد أوروبا نفسها مضطرة لتقديم الكثير من التنازلات للدول الافريقية لضمان بقائها في فلكها والبعد عن أمريكا.. من الضروري الاشارة إلى أن الخلاف المتصاعد بين أمريكا وأوروبا سيؤثر لا محالة على مؤسسات التمويل الدولية و الاقليمية ومن الصعب حاليا التنبؤ بما سيؤول له أمرها.. من الوارد أن تنضم عدد من الدول الأوروبية لمجموعة البيركس خاصة تلك التي لم تلتحق بعملة اليرو بعد.
*ختاما، إن التحولات الجوهرية التي تكتنف العالم حاليا تقتضي علينا في السودان أن نتحسس طريقنا خاصة وأن لنا مخزون جيد من الموارد الطبيعية ترغب الكثير من الدول الوصول إليها.
*تمر السياسة الدولية حاليا بمرحلة سيولة وتطورات متلاحقة، ستقع حروب جديدة وستنهار دول وستتفكك اخرى وستندمج آخريات ولا أحد يستطيع التنبؤ بالمآلات وعلينا اليقظة والحذر لتحسس مواقع اقدامنا.
هذه الأرض لنا