آخر الأخبار

السودان بين وهج الانتصارات وضباب الدولة

عمرو خان

 

هل يربح السودان الحرب ويخسر الدولة؟سؤال مشروع يدفعني إلى محاولة قراءة المشهد السوداني بين الانتصارات العسكرية والتحديات الداخلية. إذ إن في السودان، لم تعد المعركة مجرد مواجهة تدور على خطوط القتال، بل أصبحت معركة تتشابك فيها الجغرافيا مع السياسة، والأمن مع الاقتصاد، والانتصارات العسكرية مع تحديات بناء الدولة. *وبينما تتسارع التطورات الميدانية في دارفور وكردفان، ويزداد الضغط العسكري على مواقع قوات الدعم السريع، يبرز في المقابل سؤال أكثر أهمية: هل تكفي الانتصارات العسكرية وحدها لإنقاذ السودان؟.

*المشهد السوداني اليوم يبدو أشبه بلوحة يغطيها الضباب.. هناك ومضات ضوء توحي بقرب انفراج، لكنها لا تكشف الطريق كاملاً، بل تزيده تعقيدًا.. فكلما اتسعت رقعة التقدم العسكري، ظهرت تحديات جديدة تتعلق بإدارة المناطق المستعادة، وإعادة الخدمات، واستعادة ثقة المواطنين، والحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة.

*الحروب بطبيعتها تخلق واقعًا جديدًا، لكنها لا تبني الدول.. والانتصار في الميدان لا يتحول تلقائيًا إلى استقرار سياسي أو تعافٍ اقتصادي.. ولذلك فإن السودان يقف اليوم أمام مرحلة لا تقل أهمية عن المعارك نفسها، وهي مرحلة استعادة الدولة من آثار الحرب الطويلة، بكل ما تركته من انهيار للبنية التحتية، ونزوح ملايين المواطنين، وتراجع الخدمات، واتساع الفجوة الاجتماعية.

*وفي خضم هذه التطورات، يظل الوضع الداخلي الأكثر حساسية. فسنوات الصراع لم تستنزف الموارد فقط، بل أضعفت كذلك الثقة العامة، وهي الثروة التي يصعب تعويضها. تنتشر الشائعات بسرعة تفوق انتشار الحقائق، وتصبح المعلومة غير الدقيقة أحيانًا أكثر تأثيرًا من الخبر المؤكد، وهو ما يخلق حالة من الارتباك والقلق داخل المجتمع، ويزيد من صعوبة إدارة المرحلة.

*كما أن الحرب أوجدت بيئة معقدة سمحت بظهور العديد من الأزمات الموازية؛ من تحديات اقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع النشاط التجاري، إلى ضغوط إنسانية متزايدة في مناطق واسعة من البلاد. وكل ذلك يجعل المواطن السوداني يعيش حربًا أخرى، ربما لا تقل قسوة عن أصوات المدافع، وهي حرب البحث عن الأمن والغذاء والدواء والاستقرار.

*وعلى المستوى السياسي، يبدو أن السودان لا يزال يبحث عن نقطة التقاء بين ضرورات الحرب ومتطلبات المستقبل.. فالحديث عن السلطة وترتيبات المرحلة المقبلة يظل حاضرًا في النقاش العام، لكن الأولوية الحقيقية ينبغي أن تكون لاستكمال بناء الأرضية التي يمكن أن تقوم عليها أي عملية سياسية مستقرة.. فالدول لا تستعيد عافيتها بمجرد انتهاء القتال، وإنما بإعادة بناء المؤسسات، وترميم الثقة، وإطلاق مشروع وطني جامع يتجاوز آثار الانقسام.

*أما المجتمع الدولي، فما زال حضوره دون مستوى تعقيدات الأزمة. صحيح أن المنظمات الإنسانية تواصل جهودها في توفير الغذاء والدواء والإغاثة، وهي جهود لا يمكن التقليل من أهميتها، إلا أن المقاربة الدولية للأزمة تبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى إدارة التداعيات الإنسانية منها إلى المساهمة الفاعلة في معالجة جذور الأزمة.

*وفي المقابل، تبدو مواقف المؤسسات الدولية الكبرى، وفي مقدمتها مجلس الأمن، عاجزة عن إنتاج رؤية متماسكة تساعد على دفع مسار الاستقرار.. فالبيانات والقرارات والمواقف الدبلوماسية لم تنجح حتى الآن في صناعة اختراق حقيقي يواكب حجم التحولات التي يشهدها السودان، وهو ما يجعل كثيرين يشعرون بأن الضوء القادم من الخارج يضيء المشهد ظاهريًا، لكنه لا يرسم طريقًا واضحًا للخروج من النفق.

*وربما تكمن أخطر ما تفرضه الحرب في أنها تستهلك الزمن. وكل يوم يمر يحمل تكلفة جديدة، سواء على الاقتصاد أو المجتمع أو مؤسسات الدولة. ولذلك فإن عامل الوقت أصبح عنصرًا حاسمًا في مستقبل السودان. فكل تأخير في استعادة الخدمات، وإعادة الإعمار، وتهيئة البيئة الآمنة لعودة النازحين، يضيف أعباء جديدة قد تمتد آثارها لسنوات طويلة.

*إن السودان يمتلك من الإمكانات البشرية والموارد الطبيعية ما يؤهله لاستعادة مكانته، لكن ذلك يتطلب أن تتحول لحظة الصمود العسكري إلى مشروع وطني متكامل لإعادة بناء الدولة. فالحروب تنتهي في يوم ما، أما الدول فتعيش أو تتعثر وفق ما تفعله بعد انتهاء الحرب.

*واليوم، تبدو الفرصة قائمة أمام السودانيين لصياغة مرحلة جديدة، يكون معيارها حماية الدولة قبل أي اعتبار آخر، والحفاظ على وحدة المجتمع، واستثمار ما تحقق على الأرض في بناء مستقبل أكثر استقرارًا.. فالتاريخ يعلمنا أن أصعب الانتصارات ليست تلك التي تتحقق في ساحات القتال، بل تلك التي تنجح في إعادة بناء الأوطان بعد أن يصمت صوت البنادق.

*ويبقى الرهان الحقيقي على وعي السودانيين جميعًا بأن الزمن لم يعد حليفًا لأحد، وأن مستقبل السودان لن يصنعه انتظار المبادرات الخارجية، بل قدرة أبنائه على تحويل لحظة الصراع إلى بداية جديدة، تضع الدولة فوق الخلافات، والوطن فوق المصالح، والمستقبل فوق حسابات اللحظة. فحين تنتصر الدولة، يصبح انتصار الجميع ممكنًا، أما إذا استنزفت الدولة، فلن يكون في الحرب رابح حقيقي مهما كانت المكاسب العسكرية.

كاتب صحفي مصري