
(عسجد) والإعلام.. رقصة على حبل مشدود
أمواج ناعمة
د. ياسر محجوب الحسين
*في عالم السياسة والسلطة، يظل الإعلام ذلك الشريك القلق الذي يتأرجح بين دور الصديق المخلص ودور الخصم اللدود.. علاقة تصادمية حيناً، وتعاونية حيناً آخر، كأنها رقصة على حبل مشدود فوق هاوية الفساد. فإذا استقامت السلطة على جادة الصواب، واجب الإعلام أن ينحني متعاوناً، بل يغدو أداة من أدواتها في بناء الوعي وتعزيز الثقة العامة.. أما إذا انحرفت السلطة عن مسارها، فإن التصادم يصبح ضرورة وجودية، سيفاً يقطع أوهام الاستبداد ويُعيد الأمور إلى نصابها.
*لكن ماذا لو تعاون الإعلام مع سلطة منحرفة؟ هنا يرخي الفساد سدوله الكثيفة على الجانبين، فيتحول الإعلام إلى بوق دعاية يغطي على العيوب، ويصبح الطرفان شريكين في جريمة الخيانة العامة.. وعلى الجانب الآخر، إذا تصادم الإعلام مع سلطة مستقيمة، فإن ذلك يفضح فساد الإعلام نفسه، وارتباطه بمظان المصالح الضيقة وأجندات مظلمة.. هذه الديناميكية ليست نظرية مجردة، بل واقع يتجلى في كل لحظة تاريخية، حيث يصبح الإعلام مرآة السلطة أو سيفها الحاد.
*ولعل قضية (العسجد) خير دليل على قوة الإعلام وقدرته على قلب الموازين.. في الأول من يوليو الحالي، احتُفل في بورتسودان بتدشين منصة (العسجد للحلول الذكية والرقمية) برعاية رسمية، بحضور عضو مجلس السيادة ومسؤولي البنك المركزي.. منحت الشركة – الناشئة حديثاً في أواخر 2025 – رخصة محول معاملات مالية، لتُدار بيانات المصارف والمواطنين في بنية تحتية وُصفت بـ(الاستراتيجية).. وأثيرت تساؤلات حادة في الفضاء الإعلامي حول سرعة منح الرخصة، وغموض الملكية، وروابط ما بمليشيا الدعم السريع، في بلد يعاني الحرب والانهيار المؤسسي.
*هنا برز الإعلام في دوره الحقيقي؛ فتقارير أمنية ورسمية كانت موجودة على الأرجح، لكن مفاصل السلطة لم تحرك ساكناً.. سلط الإعلام – بمعلوماته الشحيحة مقارنة بالتقارير الرسمية – الضوء على الشبهات، فهبت رياحه العاتية.. أعاد المسؤولون قراءة الملفات التي وضعوها بكسل ولا مبالاة جانبا كأنما يقرأونها لأول مرة، وسارع البنك المركزي بعد أيام قليلة بإلغاء الرخصة بعد مراجعة فنية وقانونية شاملة، مشكلاً لجنة طارئة لمراجعة الآليات المستقبلية.. إن تراجع البنك عن الصفقة يُحسب له، لكنه يحتم عليه أيضاً مراجعة جذرية لآليات عمله، وتحديد المسؤوليات، ومنع تكرار مثل هذا الاخفاق الخطير الذي قد يخفي وراءه مصالح مشبوهة.
*هذا المشهد يسخر من الوهم القائل بأن السلطة قادرة على الرقابة الذاتية في غياب عيون يقظة حتى مع وجود التقارير والمعلومات الرسمية.. الإعلام، حين يؤدي دوره باعتباره سدا منيعا ضد الأهواء، يحرك القضية إلى صدارة الأجندة الوطنية، ويجبر السلطة على الاستيقاظ.. لكنه يذكرنا أيضاً بأن التعاون الحقيقي ينبغي أن يكون في خدمة الشفافية، لا في تغطية العيوب؛ فالفساد لا يعرف حدوداً بين الإعلام والسلطة، إنه يلتهم الاثنين معاً إذا غابت الرقابة.
*في النهاية، يبقى الإعلام الحر شاهداً على سلامة السلطة أو انحرافها؛ قوته في التصادم المدروس، وخطورته في التعاون الأعمى.. وقضية (العسجد) ليست مجرد صفقة فاشلة، بل درس بليغ: الإعلام الواعي يصنع التاريخ، والسلطة الرشيدة تستمع إليه قبل فوات الأوان.