آخر الأخبار

لقاء كباشي ومسعد بولص… لماذا كل هذه الجلبة والجقلبة؟

دكتور البشير الحسن أبونخل

 

 

 

 

ما إن تسرب خبر لقاء عضو مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن شمس الدين كباشي مع مسعد بولص في القاهرة، حتى اشتعلت المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي بسيلٍ من التحليلات والتأويلات والتكهنات، وانشغل كثيرون بالسؤال: من الذي بادر إلى اللقاء؟ وهل ذهب كباشي من تلقاء نفسه أم بتكليف من رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان؟ ولماذا لم يُعلن عن اللقاء إلا بعد انعقاده؟

 

 

 

 

ولم يتوقف الجدل عند هذا الحد، بل ذهب آخرون، بل شطح بعضهم، إلى القول إن كباشي أقدم على هذه الخطوة من تلقاء نفسه، مدفوعاً – بحسب زعمهم – بخلافات مع البرهان منذ إعادة ترتيب وضعه داخل كابينة هيئة قيادة القوات المسلحة، وانتقاله من منصب نائب القائد العام إلى مساعد القائد العام للقوات المسلحة. ولم يكتف أصحاب هذه الرواية بذلك، بل حاولوا ربطها بتحركات مبارك أردول، وبناء سردية سياسية كاملة تستند إلى الاستنتاجات أكثر مما تستند إلى الوقائع المعلنة.

 

 

 

 

وفي تقديري، فإن كل هذا الجدل، على كثافته، انصرف إلى الهامش وترك المتن، وانشغل بالتفاصيل وأغفل القضية الجوهرية: ماذا يمكن أن يحقق هذا اللقاء للسودان؟

 

 

 

كما أرى أن عدم الإعلان عن اللقاء قبل انعقاده لم يكن أمراً عفوياً أو محض صدفة، بل كان قراراً مقصوداً فرضته طبيعة المرحلة وتعقيدات المشهد السوداني.

 

 

 

 

فلو أُعلن عن اللقاء قبل انعقاده، لتحول إلى مادة خصبة للجدل السياسي والإعلامي، ولانشغلت المنصات ووسائل الإعلام بسيل من التحليلات والتأويلات والتكهنات، وربما أدى ذلك إلى خلق ضغوط سياسية وإعلامية كان من شأنها التأثير في أجوائه أو حتى إفشاله قبل أن يبدأ.

 

 

 

 

ولذلك، ربما كان من الحكمة أن ينعقد اللقاء أولاً، ثم يُعلن عنه بعد ذلك، حتى يصبح النقاش قائماً على وقائع لا على توقعات، وعلى نتائج لا على فرضيات.

 

 

 

 

كما أن التعتيم المؤقت ربما كان يهدف أيضاً إلى تحويل اهتمام الإعلام نحو الجزئية الإجرائية المتعلقة بكيفية انعقاد اللقاء، ومن صاحب قرار المشاركة فيه، بدلاً من الانشغال بالملف الأكثر أهمية، وهو البحث عن سبل وقف الحرب وفتح آفاق التسوية السياسية.

 

 

 

 

وثمة أسباب أخرى قد تفسر هذا الأسلوب، منها احترام حساسية الاتصالات السياسية في مراحلها الأولى، وإتاحة مساحة كافية لتبادل الأفكار بعيداً عن الضغوط الإعلامية، فضلاً عن تجنب استغلال اللقاء من قبل الأطراف الرافضة لأي تقارب أو حوار أو أي محاولات قد تفتح نافذة للحل.

 

 

 

 

وفي تقديري، فإن السودان اليوم بات في أمسّ الحاجة إلى تغليب منطق الدولة على منطق الاستقطاب، ومنطق المستقبل على حسابات اللحظة. فإذا كان الهدف النهائي هو وقف الحرب وإنقاذ السودان، فإن كل جهد سياسي أو دبلوماسي يصب في هذا الاتجاه يستحق أن يُناقش بموضوعية، بعيداً عن المزايدات والأحكام المسبقة.

 

 

 

 

ومن هذا المنطلق، أرى أن من الضروري العمل على تحييد قوات الدعم السريع، وسائر الحركات المسلحة المتمردة، عن الأجندات الخارجية التي تستغلها لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب السودان، والعمل على انتشالها من قبضة القوى التي جعلت من الحرب السودانية ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

 

 

 

ولا يعني هذا الطرح، بأي حال من الأحوال، تبرئة أفعال هذه القوات أو الحركات، أو التساهل مع ما ارتُكب من انتهاكات وجرائم، وإنما ينطلق من رؤية وطنية خالصة هدفها الأول حماية السودان، واستعادة أبنائه وموارده، والحيلولة دون استمرار استنزافهم في معارك تخدم مصالح الآخرين، مع الحفاظ على سيادة الدولة وهيبتها، وسيادة القانون، وتحقيق العدالة وفق أحكامه.

 

 

 

فمهما بلغت حدة الصراع، فإن أفراد هذه القوات والحركات هم، في نهاية المطاف، سودانيون. واستمرار الحرب يعني استنزاف المزيد من الأرواح السودانية، وتدمير المزيد من مقدرات الوطن، بينما يظل السودان هو الخاسر الأكبر.

 

 

 

 

إن الموارد البشرية التي تُستنزف في ميادين القتال هي ثروة وطنية كان ينبغي أن تُسهم في البناء والإنتاج، كما أن الأموال الطائلة التي تُنفق على الحرب هي أموال الشعب السوداني، وكان الأولى أن تُوجَّه إلى التعليم، والصحة، والزراعة، والصناعة، والبنية التحتية، والتنمية الشاملة، وتحقيق الرفاه الاقتصادي والاجتماعي.

 

 

 

 

ولذلك، فإن أي مشروع وطني جاد لا بد أن يقوم على مبدأ استعادة كل سوداني إلى حضن وطنه، دون إقصاء أو استثناء، متى التزم الجميع بوحدة السودان وسيادته، ونبذ العنف، والعمل في إطار الدولة وسيادة القانون.

 

 

 

كما أن القوى السياسية، داخل البلاد وخارجها، مطالبة هي الأخرى بأن تجعل مصلحة السودان فوق كل اعتبار، وألا تسمح لأي جهة خارجية باستغلال خلافاتها لخدمة أجندات لا تخدم الوطن ولا شعبه. فالتنافس السياسي مشروع، أما الارتهان للخارج فثمنه تدفعه الأوطان، لا الأحزاب.

إن الشعوب التي تنهض هي تلك التي تتعلم من مآسيها، وتمتلك الشجاعة لتقديم التنازلات الوطنية من أجل المستقبل، لا من أجل انتصارات سياسية مؤقتة.

 

 

 

 

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إلى متى يظل السودان يدور في دائرة الصراعات بينما تمضي الأمم الأخرى بخطى متسارعة نحو التنمية والازدهار؟ بل إن المؤلم حقاً أن السودان لا يراوح مكانه فحسب، وإنما يتراجع بوتيرة متصاعدة، ولا أكون مبالغاً إذا قلت إنه يتقهقر بمتواليات هندسية، في وقت يمتلك فيه من الموارد البشرية والطبيعية ما يؤهله لأن يكون في مقدمة الدول لا في مؤخرة الركب.

 

 

 

لقد آن الأوان لأن تكون مصلحة السودان هي القاسم المشترك الذي يلتقي عنده الجميع، لأن الأوطان لا تُبنى بالمكايدات السياسية، ولا بالارتهان للخارج، وإنما تُبنى بالحكمة، والتوافق، وتقديم المصلحة الوطنية العليا على كل ما عداها.

 

 

 

 

 

وفي نهاية المطاف، لن يسجل التاريخ من انتصر في معركة إعلامية، أو من كان أكثر براعة في إطلاق الشائعات والتأويلات، وإنما سيسجل من قدّم مصلحة السودان على كل مصلحة، ومن أسهم في وقف الحرب، وصيانة الدولة، وإنقاذ الوطن من التفكك، وتمهيد الطريق أمام مستقبل يستحقه الشعب السوداني والأجيال القادمة.