آخر الأخبار

  شركة السودان للأقطان..الفساد وضياع حق المزارعين

قبل المغيب

عبدالملك النعيم احمد

 

*عندما تم تأميم تجارة القطن في السودان عام 1970م في بداية عهد الرئيس الراحل المشير جعفر نميري مع تأميم الصحف أيضاً وعدد من مؤسسات الدولة تم تأسيس الهيئة العامة للقطن لتكون الجهة الوحيدة المسؤولة عن كل ما يتعلق بتجارة وتسويق القطن بإعتباره المورد الإقتصادي الأول قبل ظهور البترول الذي ضاع مع إنفصال الجنوب أو الذهب الذي لا أثر له في الإقتصاد القومي للدولة بسبب التهريب وسوء الإدارة والفساد وعدم وضوح الرؤية للتعامل معه في ظل وجود 88% من تجارته تعدين أهلي خارج الرقابة والسيطرة وتلك قضايا سبق أن كتبنا عنها.

*ففي عام 1986 تحولت الهيئة العامة للأقطان إلى شركة السودان للأقطان المحدودة لتقوم بنفس الدور مع استصحاب المستجدات على الساحة الإقتصادية وتساهم في رفد الخزينة العامة بالعملات الأجنبية..خصصت 71% من أسهم شركة السودان للأقطان لمزارعي مشروع الجزيرة والرهد وحلفا الجديدة وتوزعت بقية الأسهم على البنوك وصناديق المعاشات وكان الهدف الأساسي من هذه الشراكة توحيد مظلة عمليات التمويل والإنتاج والتسويق لمحصول القطن وربط المزارعين بالجهات الخارجية التي تعتبر أكبر الأسواق للقطن لتحقيق قدر من الرقابة والشفافية والمنفعة المتبادلة..فالسؤال هل تحقق هذا الهدف واستفاد المزارعون؟ بالطبع الإجابة لا…والسبب هو الفساد وسوء الإدارة وليس الأمر بالجديد وانما هي للأسف ثقافة قديمة دفع ثمنها المزارعون العاديون وليس اصحاب النفوذ كما دفعت ثمنها المشاريع الزراعية وأولها مشروع الجزيرة الذي كان عملاقاً ومن أقوي الرافدين للإقتصاد القومي.

*لم يكن الفساد في شركة السودان للأقطان بجديد ففي العام 2012م تم حل مجلس ادارة الشركة لتجاوزات مالية في مشروع الجزيرة..تجاوزت ال (55) مليون دولار كانت عبارة عن صفقات مشبوهة وإنشاء شركات بأسماء بعض أعضاء مجلس الإدارة واسرهم وأبنائهم.

*وفي عام 2016م أصدر القضاء السوداني أحكاماً بالغرامة والسجن على (10) من كبار المسؤولين بمجلس الإدارة بما فيهم رئيس المجلس وشخصيات متنفذة في مجلس الادارة وتبرأة صغار الموظفين…ذلك هو بعض من تاريخ هذه الشركة.

*مناسبة إسترجاع التاريخ في حديث اليوم هو تلك التسجيلات الصوتية لرئيس مجلس الادارة الجديد الفريق نصر الدين عبدالفتاح القائد السابق لسلاح المدرعات والذي أبلى بلاءا حسناً في موقعه العسكري خلال حرب الكرامة ودون الخوض في تفاصيل تعيينه في الموقع الجديد مكافأةً كان أم إستحقاقاً .. فإن تسجيله الصوتي قد كشف عن استمرار التجاوزات في هذه الشركة فقد ذكر أن الشركة لم تجهز وتعد ميزانيتها منذ العام 2021م أي قبل الحرب وكأنما الحياة كانت متوقفة.. ولا ندري كيف تسير الأمور فيها دون ميزانية واضحة ومجازة ومراجعة بواسطة الديوان ؟.. أكد تورط رئيس مجلس الادارة وأعضاء المجلس ومديري بعض الإدارات في تجاوزات مالية لم يكن صغار الموظفين طرفاً فيها (لعب كبار فقط).. ذكر أن لدى بعض اعضاء مجلس الادارة توقيعات معتمدة لدى البنوك وصلاحيات لمنح التصاديق والسلفيات غير المستردة، إستخدام عربات الشركة والحصول على أموال بالعملات الأجنبية والمحلية باسم المجلس، تمتلك الادارة الهندسية بالشركة مشاريع كبيرة بالجزيرة واستثمارات خاصة وأخيرا ذكر بأن بعض أعضاء مجلس الإدارة يمتلكون شركات خاصة في الإمارات باسمائهم واسماء أبنائهم وأسرهم.

*نحيل هذه التسجيلات الخطيرة إستنادا على ماذكرنا من محاكمات في قضايا فساد سابقة إلى وزارة العدل والنيابة العامة والقضاء السوداني ومجلس السيادة ومجلس الوزراء وديوان المراجع العام…فالأمر يحتاج  فتح الملفات والتحقق والتحري واعمال حكم القانون.

*حال المزارع الذي أنشئت من أجله الشركة وله في أسهمها 71% الآن حاله يغني عن سؤاله..مشروع الجزيرة حدث ولا حرج..الموسم الصيفي مهدد بالإنهيار لضعف التمويل وارتفاع اسعار مدخلات الزراعة وتكلفة تحضير الأراضي بالقدر المطلوب وفي التوقيت المناسب .. إنحسار مساحات زراعة القطن في كل المشاريع مع ضعف الانتاج والانتاجية حتى في المساحات المزروعة على قلتها…فالسؤال  لصالح من تعمل مثل هذه الشركات الحكومية أو المسماه شركات مساهمة؟.. من المفترض أن تعود أرباحها للمستحقين وفق القانون..هذا على أقل تقدير كما كنا نتوقع أن تكون قد خلقت علاقات قوية من الجهات المستفيدة من سلعة القطن وحققت الكثير من الفوائد المتبادلة.. فهل يا ترى حدث شيئً من ذلك؟.