آخر الأخبار

استقالة بحجم الوطن… وأسئلة بلا إجابات!

دكتور البشير الحسن أبونخل

 

 

 

لم يكن الفريق الركن دكتور نصر الدين عبد الفتاح مسؤولاً عادياً جاء ليجلس على كرسي إدارة شركة السودان للأقطان، بل جاء وهو يحمل خطاباً واضحاً: مواجهة الفساد وإعادة الشركة إلى مسارها الصحيح.

 

 

 

 

ولم ينتظر كثيراً حتى كشف للرأي العام، في تسجيل صوتي، عن اختلالات وصفها بالخطيرة؛ غياب للميزانيات منذ سنوات، أصول مهددة بالضياع، تجاوزات داخل مجلس الإدارة، وأموال صُرفت بغير وجه حق. بل أعلن أن همه الأول هو استرداد حقوق المزارعين وحماية أموال الشركة.
لكن، وبينما كان الناس ينتظرون بدء معركة الإصلاح، جاءت المفاجأة بإعلان استقالته.

 

 

 

هنا يتوقف الحديث عن شخص، ويبدأ الحديث عن مؤسسة وطنية بحجم شركة السودان للأقطان، وعن أسئلة أكبر من مجرد قرار إداري.

 

 

 

فالاستقالة لم تأتِ بعد فترة طويلة من العمل أو بعد تقييم طبيعي للتجربة، وإنما جاءت بعد أيام قليلة من تصريحات أثارت جدلاً واسعاً وفتحت ملفات قال الرجل إنها تحتاج إلى مراجعة ومحاسبة. وهذا التوقيت وحده جعل الاستقالة حدثاً يتجاوز حدودها الإدارية إلى فضاء عام مليء بالتساؤلات.

 

 

 

عبارة ” لأسباب خاصة تتعارض مع القيم التي أتبعها ” ليست عبارة عابرة. فهي تترك مساحة واسعة للتساؤل: ما الذي حدث حتى وصل مسؤول إلى قناعة بأن الاستمرار لم يعد ممكناً؟

 

 

 

لا يجوز إطلاق الأحكام أو الاتهامات دون أدلة، لكن من حق الرأي العام أن يسأل: هل واجه الرجل عقبات حالت دون تنفيذ رؤيته؟ هل وجد أن طريق الإصلاح أكثر تعقيداً مما توقع؟ هل كانت هناك ملفات أو مصالح متشابكة جعلت مهمته أصعب؟

 

هذه ليست أسئلة للجدل، وإنما أسئلة فرضها توقيت الاستقالة والظروف التي أحاطت بها.

 

 

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مؤسسة هو أن يفقد الإصلاحيون القدرة على العمل، أو أن يشعر أي مسؤول بأن فتح ملفات الخلل سيجعله يخوض معركته وحيداً. فالدول لا تُبنى فقط بالقوانين، وإنما كذلك بوجود بيئة تحمي من يطبقونها.

 

 

 

 

إذا كانت المعلومات التي تحدث عنها الفريق نصر الدين بحاجة إلى مراجعة، فالمطلوب توضيح الحقائق للرأي العام. وإذا كانت هناك مخالفات حقيقية، فإن المطلوب تحقيق شفاف ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، دون اعتبار للموقع أو النفوذ.

 

 

 

فقضية شركة السودان للأقطان ليست قضية مدير استقال أو إدارة تغيرت، بل قضية ثقة في قدرة المؤسسات الوطنية على حماية المال العام وخدمة المزارعين الذين تمثل الشركة بالنسبة لهم رمزاً اقتصادياً وتاريخياً.

 

 

 

ويبقى السؤال الأكبر: هل كانت استقالة الفريق نصر الدين نهاية محاولة للإصلاح… أم بداية كشف لحقيقة أكبر؟

 

 

 

الإجابة لا تخص شخصاً بعينه، بل تخص وطناً بأكمله ينتظر أن يرى مؤسساته أكثر قوة، وقوانينه أكثر حضوراً، ومعركته ضد الفساد أكثر جدية ووضوحاً.

فبعض الاستقالات تنتهي ببيان… لكن بعضها يترك خلفه أسئلة بحجم الوطن.