آخر الأخبار

سحرُ القرنِ الأفريقي (قصة)

 

سميره محمد – جيبوتي:

بينما كانت الشمس تتهيأ للرحيل،

تاركةً خلفها خيوطاً ذهبية تنسدل على مياه خليج عدن، كنت أجلس على رمال شاطئٍ هادئ في جيبوتي، أتأمل هذا الوطن الذي لا يشبه غيره. لم تكن مجرد لحظة غروب، بل كانت حكاية وطنٍ يكتبه البحر بمداده الأزرق، وتخطه الرمال بنقوشٍ من عراقةٍ أبدية.

جيبوتي، يا سيدة القرن الأفريقي، بدأت حكايتك منذ بزوغ التكوينات البركانية التي رسمت خارطتك كلوحةٍ من وحي الخيال.. نظرتُ إلى الأفق، فتخيلتُ (بحيرة عسل)، ذلك التبر الملحوظ الذي يلمع تحت لهيب الشمس كمرآةٍ للسماء، حيث الصمتُ هناك ليس غياباً للصوت، بل هو حضورٌ مهيب لعظمة الأرض وهي في أدنى مستوياتها، وكأنها تعتذر للسموات بتواضعها.

ثم انتقلت مخيلتي إلى غابة (داي) حيث العرعر العتيق يهمس للغيوم، وحيث يختبئ الهواء النقي بين ثنايا الجبال، مهرباً من قيظ السهول. هناك، تشعر أن الطبيعة تنفست أخيراً بملء رئتيها، لتعيد الحياة إلى كل مسافرٍ أنهكته دروب الرحلة.

أغمضتُ عيني، فسمعتُ صدى أهازيج البحر في خليج تاجورة. لم تكن أمواجاً عادية، بل كانت نغماتٍ ترحب بقرش الحوت، ذلك العملاق الوديع الذي يزور مياهنا وكأنه حارسٌ وفيٌّ لأسرار المحيط. هناك، تحت سطح الماء، عالمٌ آخر من الشعاب المرجانية، حدائقٌ معلقة في الأعماق، تتراقص فيها الأسماك بألوانها التي لا يعرفها إلا من غاص في قلب جيبوتي.

ثم تجولتُ بفكري في اقاليمها، حيث البيوت ليست مجرد جدران، بل هي قلوبٌ مفتوحة.. فيها يكتمل تعريف الوطن إذ لا يُقاس بالمسافات، بل بالروابط التي تشدّنا لبعضنا كعقدٍ من لؤلؤ.. هنا، حيث الابتسامة هي العملة الأكثر تداولاً، وحيث تُروى حكايات الأجداد تحت ضياء نجومٍ تبدو وكأنها مصابيح علقتها السماء لتضيء سهرتنا.

جيبوتي، يا وطني، أنتِ القصة التي لا تنتهي فصولها. أنتِ الميناء الذي يأوي المسافرين، والبيت الذي يدفئ الغريب، والمنارة التي تضيء دروب التجارة والحياة.. أنتِ ليست مجرد مكانٍ على خريطة، أنتِ (روحٌ) تتقن فن الترحيب، وقوةٌ تتقن فن الصمود

نهضتُ من مقعدي، وقد تغلغل في روحي إيمانٌ جديد. جيبوتي ليست مجرد وجهة، بل هي قطعةٌ من قلبي، محفورةٌ في ذاكرة الزمن، وستبقى دائماً، وبكل فخر، الوطن الذي أحمل تفاصيله في دمي.