
لغز استبعاد السودان من ملف البحر الأحمر
أمواج ناعمة
د. ياسر محجوب الحسين
*احتضنت القاهرة الأحد 19 يوليو الجاري مشاورات رباعية ضمت مصر وإريتريا والصومال والولايات المتحدة، لبحث تطورات الأوضاع في القرن الأفريقي وتعزيز التنسيق الأمني والاستقرار الإقليمي.. وعقد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لقاءات منفصلة مع نظيريه الإريتري والصومالي، إلى جانب مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية.. وأكدت مصر وإريتريا أن أمن البحر الأحمر وإدارته مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، رافضتين أي ترتيبات أمنية تفرضها أطراف غير مطلة عليه، مخالفة بذلك قواعد القانون الدولي.
*غير أن هذا الاجتماع الذي يفترض أنه يرمي إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي يثير تساؤلات عميقة ومقلقة، أبرزها استبعاد السودان، الدولة المشاطئة للبحر الأحمر، والمعنية بأمن القرن الأفريقي بموقعها الجيوسياسي الاستراتيجي وثقلها الإقليمي التاريخي.. يمتد السودان على طول سواحل البحر الأحمر، ويتقاسم مع مصر وإريتريا حدودا برية وبحرية حيوية، فضلا عن علاقات استراتيجية عميقة مع كل منهما، وبدرجة ما مع الصومال. فكيف يغيب طرف مركزي بهذا القدر من التأثير عن طاولة تناقش مصير أمن المنطقة؟.
*يبدو هذا الاستبعاد غريبا ومفتعلا، خاصة في ظل التوترات الدولية المحيطة بالسودان.. ويأتي الاجتماع متزامنا مع بدء الولايات المتحدة فرض عقوبات جديدة على السودان بدأت اليوم الاثنين 20 يوليو، عقب رفض السودان الخضوع لشروط واشنطن ورؤيتها لحل الأزمة في البلاد. وحضور مسعد بولس، الذي يمثل الإدارة الأمريكية، يلقي بظلال الشك على استقلالية القرار الإقليمي. فهل أصبحت الدول المجتمعة خاضعة، ولو جزئيا، لرؤية واشنطن لأمن البحر الأحمر؟ أم أن الاجتماع يعكس محاولة لإعادة رسم خريطة التحالفات بما يخدم أجندات خارجية، بعيدا عن مصالح الدول المشاطئة الحقيقية؟.
*تاريخيا، شكل السودان عمودا فقريا في التوازن الإقليمي.. وعلاقاته الاستراتيجية مع مصر، الراسخة عبر اتفاقيات النيل والأمن المشترك، ومع إريتريا التي تجمعها به حدود ومصالح مشتركة في مواجهة التحديات الإثيوبية، تجعل غيابه عن مثل هذه المشاورات أمرا يستدعي التأمل.. كما أن دوره في دعم الاستقرار الصومالي يعزز من أهميته واستبعاده يشير إلى محاولة لعزل السودان دبلوماسيا، ربما للضغط عليه في سياق نزاعه الداخلي أو مواقفه الرافضة للتدخلات الخارجية.
*أمام الدبلوماسية السودانية اليوم تحديات جسيمة؛ ويتعين على الخرطوم أن تتحرك بسرعة وحنكة لتعزيز وجودها في أي ترتيبات إقليمية تمس أمنها القومي.. ويجب عليها استعادة دورها الريادي في الخارطة الافريقية والعربية، من خلال تعميق التنسيق مع حلفائها التقليديين، وفتح قنوات حوار جديدة مع اللاعبين الدوليين على أساس السيادة والمصالح المشتركة.. فالسودان، بموارده الطبيعية الهائلة وموقعه الاستراتيجي، لا يمكن تهميشه دون أن يؤدي ذلك إلى اختلال في التوازن الإقليمي برمته.
*إن أمن البحر الأحمر ليس مجرد خطوط على الخريطة، بل شريان حياة لشعوب المنطقة.. ورفض الترتيبات المفروضة من الخارج، كما أكدت مصر وإريتريا، يجب أن يشمل كل الدول المشاطئة دون استثناء. والسودان مدعو اليوم إلى إعادة صياغة حضوره الدبلوماسي بإبداع وإصرار، ليبقى صوتا فاعلا في معادلة الإستقرار الإقليمي، لا غائبا عنها. فالتاريخ لا يرحم المتقاعسين، ويخلد من يصنعون مصيرهم بأيديهم.