آخر الأخبار

هل يستطيع السودان تحويل الدعم الدولي إلى تعافٍ اقتصادي؟

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*يمر السودان بواحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، حيث تداخلت آثار الحرب مع تراجع الإنتاج، وانكماش النشاط التجاري، وتدهور البنية التحتية، وارتفاع معدلات التضخم، واتساع دائرة الفقر والبطالة.. وفي خضم هذه الظروف، برز خبران حملا رسالتين متناقضتين في التوقيت والدلالة؛ الأول يتحدث عن اقتراب السودان من الحصول على تمويل أو منحة دولارية عبر البنك الدولي لدعم برامج اقتصادية وتنموية، بينما يشير الثاني إلى القيود المفروضة على تجارة الذهب السوداني، وهو المورد الذي أصبح يمثل المصدر الأهم للنقد الأجنبي خلال سنوات الحرب.

*إن قراءة هذين التطورين معاً تكشف أن الاقتصاد السوداني يقف اليوم على مفترق طرق، بين فرصة يمكن أن تسهم في التخفيف من آثار الأزمة، وبين تحديات قد تعمق الاختلالات المالية إذا لم تتم معالجتها بسياسات اقتصادية متكاملة.. لقد أدت حرب المليشيا المتمردة الارهابيه (الدعم السريع) منذ أبريل 2023م إلى خسائر اقتصادية هائلة، إذ تعطلت قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي، وتراجعت الإيرادات الضريبية والجمركية، وانخفضت الاستثمارات المحلية والأجنبية، بينما ارتفعت كلفة إعادة الإعمار إلى مستويات غير مسبوقة.. وفي المقابل، أصبح الذهب يمثل شريان الحياة الرئيسي للاقتصاد السوداني، بعد أن تقلصت مساهمة معظم القطاعات الأخرى في توفير العملات الأجنبية.

*ومن هنا تأتي أهمية أي دعم من البنك الدولي أو المؤسسات المالية الدولية، لأنه لا يمثل مجرد أموال تدخل الخزانة العامة، وإنما يحمل رسالة ثقة في إمكانية استعادة النشاط الاقتصادي، ويمهد لتمويل مشروعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والطاقة والإنتاج الزراعي، وهي قطاعات تمثل أساس التعافي الاقتصادي.. وتشير البيانات المعلنة إلى استمرار موافقة البنك الدولي على حزم دعم تستهدف الخدمات الأساسية وشبكات الأمان الاجتماعي، مع توجيه التمويل عبر آليات رقابية خاصة في ظل الظروف الراهنة.

*غير أن مثل هذه المنح أو القروض الميسرة، مهما بلغت قيمتها، لن تكون قادرة وحدها على إنقاذ الاقتصاد إذا لم يصاحبها إصلاح اقتصادي حقيقي يعالج جذور الأزمة، ويعيد بناء المؤسسات المالية، ويشجع الإنتاج، ويعزز الثقة في الجهاز المصرفي

 

وفي المقابل، فإن القيود الأخيرة على تجارة الذهب السوداني تثير تساؤلات مهمة حول مستقبل أهم مصدر للنقد الأجنبي في البلاد.. فقد فرض الاتحاد الأوروبي حظراً على استيراد الذهب السوداني، إضافة إلى قيود على تصدير بعض المواد المستخدمة في التعدين مثل الزئبق والسيانيد.. ويرى بعض الخبراء أن التأثير المباشر قد يكون محدوداً لأن جزءاً كبيراً من الصادرات الرسمية لا يتجه إلى السوق الأوروبية، بينما يحذر آخرون من آثار غير مباشرة تتمثل في تعقيد عمليات التمويل والتأمين والشحن والامتثال التجاري، وهو ما قد ينعكس على الصادرات الرسمية والاستثمار في القطاع.

*وهنا تظهر المفارقة؛ فبينما يسعى السودان للحصول على تمويل خارجي يساعد في تخفيف الضغوط الاقتصادية، فإنه يواجه في الوقت نفسه تحديات قد تقلل من قدرته على توليد النقد الأجنبي ذاتياً عبر صادرات الذهب.. ولذلك فإن الأزمة الحالية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها أزمة تمويل فقط، بل هي أزمة هيكل اقتصادي يحتاج إلى إعادة بناء شاملة. فالاقتصاد الذي يعتمد بصورة كبيرة على سلعة واحدة يظل عرضة للصدمات السياسية والاقتصادية الدولية، مهما بلغت قيمة تلك السلعة.

*إن الطريق إلى التعافي الاقتصادي لا يمر عبر المنح والقروض وحدها، وإنما يبدأ بإعادة تشغيل عجلة الإنتاج الحقيقي.. فالزراعة السودانية تمتلك من الأراضي الخصبة والمياه والموارد ما يجعلها قادرة على قيادة مرحلة التعافي إذا توفرت لها الطاقة والتمويل والبنية التحتية والأسواق. كما أن قطاع الثروة الحيوانية يمكن أن يصبح أحد أكبر مصادر النقد الأجنبي، إلى جانب التعدين المنظم الذي يقلل التهريب ويزيد العائدات الرسمية

كما أن قطاع الكهرباء يمثل مفتاحاً رئيسياً لنهضة الاقتصاد. فلا يمكن الحديث عن نهضة زراعية أو صناعية أو خدمية في ظل استمرار أزمة الطاقة.. ولذلك فإن الاستثمار في الطاقة الشمسية والطاقة المتجددة أصبح ضرورة اقتصادية قبل أن يكون خياراً بيئياً، خاصة في بلد يتمتع بأكثر من ثلاثة آلاف ساعة سطوع شمسي سنوياً

*ومن القضايا التي لا تقل أهمية ضرورة مكافحة تهريب الذهب، إذ تشير التقديرات إلى أن جزءاً مهماً من الإنتاج لا يدخل القنوات الرسمية، مما يحرم الدولة من مليارات الدولارات سنوياً. إن تنظيم التعدين الأهلي، وتطوير المصافي الوطنية، وتشجيع الشركات الملتزمة بالضوابط القانونية، كلها خطوات من شأنها تعظيم العائد الاقتصادي لهذا المورد الاستراتيجي. كما أن الإجراءات الحكومية الأخيرة لتنظيم صادرات الذهب تعكس سعياً لتعزيز تدفقات النقد الأجنبي وضبط السوق، لكنها تحتاج إلى بيئة مستقرة وتطبيق فعال.. وفي الوقت نفسه، فإن السودان مطالب بإعادة بناء علاقاته الاقتصادية مع المؤسسات المالية الدولية والشركاء الإقليميين، والاستفادة من أي نافذة متاحة لإعادة جدولة الديون وجذب الاستثمارات، خاصة أن عبء الدين الخارجي لا يزال يمثل تحدياً كبيراً أمام الاقتصاد السوداني.

 

*إن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية اقتصادية وطنية تتجاوز إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل. فالمطلوب ليس انتظار المنح، وإنما تحويلها إلى استثمارات منتجة، وليس الاكتفاء بتصدير الذهب خاماً، وإنما إقامة صناعات تحويلية تضيف قيمة اقتصادية أكبر، وليس الاعتماد على المساعدات الإنسانية، وإنما بناء اقتصاد إنتاجي قادر على تمويل نفسه بنفسه.

*وفي الختام، فإن السودان يقف اليوم بين نافذة أمل يمثلها الدعم الدولي، وتحديات كبيرة تفرضها القيود على تجارة الذهب واستمرار آثار الحرب. وسيظل نجاح البلاد مرهوناً بقدرتها على استعادة الأمن، وإعادة تشغيل الإنتاج، وتعزيز الشفافية، وإدارة الموارد بكفاءة. فالموارد الطبيعية وحدها لا تصنع نهضة، وإنما تصنعها الإدارة الرشيدة، والإرادة السياسية، والاستثمار في الإنسان والإنتاج. وإذا نجح السودان في تحقيق هذا التحول، فإن المنح والقروض ستكون مجرد نقطة إنطلاق نحو اقتصاد أكثر استقراراً واستدامة، لا بديلاً عن الإصلاح والتنمية.