(بنات الرياض) .. حين يفضحنا الأدب أكثر مما نفضح أنفسنا
خالد أعراب – الجزائر:
بدأ الأمر بفضول بسيط.. أخذني الفضول لقراءة رواية (بنات الرياض)، لا بحثًا عن المتعة الأدبية بقدر ما كان محاولة لفهم كل هذه الضجة التي أحدثتها.. كيف لنص روائي أن يثير كل هذا الجدل؟ ولماذا يُستقبل بالغضب بقدر ما يُستقبل بالإقبال؟
لم تكن الضجة التي رافقت الرواية مجرد موجة إعلامية عابرة، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع العربي على مواجهة نفسه.. لم يكن النص هو الصدمة، بل ردّة الفعل عليه.. لأن المجتمعات لا تنفجر حين تُقال الأكاذيب، بل حين تُقال الحقيقة بصوت واضح.
الرواية لم تأتِ من فراغ، ولم تُنزل واقعًا من السماء.. هي ابنة بيئة، ومرآة زمن، وصدى لما يُقال في الغرف المغلقة ثم يُنكر في العلن. لكنها ارتكبت خطأً واحدًا لا يُغتفر: أنها كتبت ما تعوّد الناس أن يتركوه بلا كتابة.. وهنا يبدأ لب الرواية الحقيقية
حين يبقى التناقض في الخفاء، يتحمّله الجميع. لكن حين يُكتب ويظهر.للعيان، يتحول إلى قضية.. لأن الكتابة لا تكتفي بوصف الواقع، بل تثبّته، تجعله قابلاً للمساءلة، وتحرمه من ميزة النسيان.
(بنات الرياض) لم تكن رواية عظيمة بالمعايير الفنية الصارمة، لكنها كانت ذكية بما يكفي لتفهم قاعدة أساسية في مجتمعاتنا، الا وهي: الاقتراب من المحرّم يساوي الانتشار.
ولهذا، لم يكن غريبًا أن تُهاجم الرواية وتُباع في الوقت نفسه. أن تُدان أخلاقيًا وتُقرأ بشغف.. أن تُرفض علنًا وتُستهلك سرًا.
هذه ليست مفارقة عابرة، بل هي واقع البنية الحقيقية للوعي العربي، وعي مزدوج، يعيش بين صورتين، واحدة للعرض، وأخرى للحياة.
لكن لنكن أكثر وضوحا، المشكلة ليست في الرواية، بل فينا نحن. في الطريقة التي نتعامل بها مع الحقيقة حين تقترب منا.. في ذلك الخوف العميق من أن يتحول الواقع إلى نص، لأن النص لا يمكن التفاوض معه كما نفعل مع الوقائع اليومية
وهنا نصل إلى الجزائر.. لو ظهرت رواية بنفس الجرأة، لن يكون السؤال، هل هي جيدة أدبيًا؟
بل: لماذا كُتبت؟
ومن سمح بها؟
ومن يقف خلفها؟
سيتحوّل الكاتب من مبدع إلى متهم.. والنص من عمل أدبي إلى قضية رأي عام, وسنبدأ في البحث عن النوايا بدل البحث عن الحقيقة
لأننا، ببساطة، لا نقرأ لنفهم… بل لنحاكم.
في الجزائر، يمكن أن تعيش التناقضات بهدوء، في الشارع، في المساجد،في العلاقات، في الخطاب اليومي، لكن لا يُسمح لها أن تتحول إلى كتابة.. لأن الكتابة توثيق، والتوثيق يحرج، والإحراج غير مرغوب فيه في مجتمعات تحب أن تبدو متماسكة حتى وهي هشة متصدعة.
وهنا يتحول الأدب إلى خطر حقيقي.. ليس لأنه يهدد الأخلاق، بل لأنه يهدد الصمت.. والصمت، في كثير من الأحيان، هو آخر ما تبقّى من الاستقرار الوهمي.
(بنات الرياض) لم تفضح مجتمعا بعينه، بل كشفت آلية كاملة، كيف يتحول المنع إلى دعاية، وكيف يتحول الغضب إلى تسويق، وكيف تتحول الحساسية الاجتماعية إلى فرصة للانتشار.. وهذا ما يجعل السؤال أكثر إزعاجًا, هل نحن ضد هذه الروايات فعلًا؟ أم أننا نحتاجها لنمارس عليها غضبا يعوض صمتنا عن واقعنا؟
الخطير ليس أن تُكتب رواية جريئة، بل أن يُقابلها مجتمع يرفض النقاش، ويستبدل الفهم بالإدانة، والتحليل بالاتهام.. لأن المجتمع الذي يخاف من رواية، هو مجتمع يعرف أن فيها شيئا منه.. وفي لحظة الصدام هذه، لا يعود الأدب مجرد حكاية، بل يتحول إلى اختبار، إما أن نقرأ لنفهم أنفسنا، أو نرفض لنحافظ على وهم أننا بخير.
والحقيقة التي لا نحب سماعها، ليست الروايات هي التي تفضحنا، نحن من نفضح أنفسنا بطريقة تعاملنا معها.