آخر الأخبار

الزراعة لا تُنقذها التصريحات بل العدالة في التمويل

الرمح الملتهب

 بابكر محمد علي

 

 

*أعلن وزير المالية عن توجيه كل الموارد المتاحة، بما فيها عائدات الذهب، نحو القطاع الزراعي ودعم الاقتصاد الكلي.. وهو حديث يبعث على التفاؤل، لكنه لن يحقق أهدافه ما لم يصاحبه إصلاح حقيقي لواحدة من أكبر العقبات التي تواجه المزارع السوداني، وهي التمويل الزراعي.

يا سيادة وزيرالمالية، إذا كنتم حريصين بالفعل على النهوض بالقطاع الزراعي، فابدؤوا بتشكيل لجنة مستقلة لمراجعة ومراقبة عمليات التمويل في البنوك.. فما يحدث اليوم لا ينسجم مع الشعارات التي تُرفع عن دعم المزارعين، إذ تشير شكاوى واسعة إلى أن التمويل في بعض البنوك يذهب في كثير من الأحيان إلى سماسرة السوق، وأصحاب النفوذ والعلاقات، بينما يُترك المزارع الحقيقي يواجه التعقيدات الإدارية والشروط المجحفة حتى يفقد الأمل في الحصول على التمويل.

*المزارع الذي يحمل همَّ الإنتاج ويعمل تحت أشعة الشمس، هو أولى الناس بالدعم، لكنه يجد نفسه آخر من يصل إليه التمويل من بعض البنوك، إن وصل إليه أصلاً  ..فكيف نطالب بزيادة الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي، ونحن نحاصر المنتج الحقيقي منذ بداية الموسم الزراعي ؟.

*إن الزراعة لا تحتاج إلى مزيد من الوعود، وإنما إلى عدالة وشفافية في توزيع التمويل، وإلى رقابة صارمة تضمن وصول الأموال إلى مستحقيها.. فنهضة الزراعة تبدأ من البنك قبل أن تبدأ من الحقل، وتبدأ بإنصاف المزارع قبل الحديث عن زيادة الإنتاج.

 

*يا سيادة الوزير، إن أردتم أن تكون عائدات الذهب رافعةً للاقتصاد الوطني، فاجعلوا أول ثمارها إنصاف المزارعين، وإصلاح منظومة التمويل الزراعي، والقضاء على المحسوبية والوساطة التي أرهقت المنتجين..

عندها فقط ستتحول التصريحات إلى إنجازات، وسيصبح القطاع الزراعي بالفعل قاطرةً للاقتصاد السوداني، لا مجرد عنوان يتكرر في المؤتمرات والخطابات.

 

*رمح أخير :  إلى رجال دولة:

زار وزير الزراعة والري مشروع الرهد الزراعي عقب كسر الترعة الرئيسية، فظن المزارعون أن الزيارة ستضع حدًا لمعاناتهم الممتدة وأنهم على موعد مع قرارات شجاعة تعيد للمشروع شيئًا من هيبته ومكانته.. لكن وكما يحدث في كل مرة انقضت الزيارة بين عدسات المصورين وأقلام المصفقين بينما بقيت مشاكل المشروع تراوح مكانها، وكأن شيئًا لم يكن.

*الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها أن مشروع الرهد يحتضر..قنوات الري ما زالت تختنق بالطمي والحشائش والآليات غائبة والبذور المحسنة معدومة والتمويل الزراعي لا يصل إلى مستحقيها.. فيما يقف المزارع وحيدًا يصارع كل هذه الأزمات، ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يحقق زيادة في الإنتاج.

*والأغرب من ذلك أن المدير العام الذي انتهت فترة تكليفه لا يزال يجلس على كرسي الإدارة، دون أن يسأل أحد

ماذا قدم للمشروع ؟ وما هي الإنجازات التي تحققت خلال فترة إدارته؟.

*إن المزارعين لا يتذكرون مشروعًا نهض به، ولا ترعة طُهرت، ولا خطةً أنقذت الموسم الزراعي

*إن إدارة مشروع الرهد ليست منصبًا للتشريف، بل مسؤولية وطنية تتطلب رؤية وخبرة وقرارات جريئة …. ومن لا يستطيع أن يضيف للمشروع، فليفسح المجال لمن هو أقدر على حمل هذه الأمانة.

*وفي المقابل، لا يسعنا إلا أن نستحضر بكل وفاء اسم الباشمهندس عبد العظيم عبد الغني، ابن الرهد البار، الذي عرف المشروع كما يعرف خطوط كفه، وعمل بإخلاص من أجل تطويره، ولم يكن عطاؤه حبيس أسوار المشروع، بل امتد إلى قرى الرهد، حيث ساهم في تنفيذ العديد من الردميات والطرق، إيمانًا منه بأن التنمية الحقيقية تبدأ بخدمة الإنسان قبل الأرض.