آخر الأخبار

السياسة لا تُدار بالعواطف… بل بميزان المصالح والذاكرة

بقلم: د. البشير الحسن أبونخل

 

 

 

 

في العلاقات بين الدول لا مكان للعواطف، ولا ينبغي أن تُمحى صفحات التاريخ بمجرد تبادل الدعوات والابتسامات الدبلوماسية. فالدول تُبنى مواقفها على المصالح، لكن المصالح نفسها لا تنفصل عن الذاكرة السياسية، ولا عن تقييم المواقف التي اتخذها الآخرون في أوقات المحن.

 

 

 

 

لقد خاض السودان خلال السنوات الماضية حرباً وجودية دفعت فيها الدولة والشعب أثماناً باهظة من الأرواح والموارد والبنية التحتية. ومن الطبيعي أن يطرح السودانيون اليوم سؤالاً مشروعاً: أين كان الأصدقاء؟ ومن وقف مع السودان، ومن التزم الصمت، ومن اتخذ مواقف أضرت بمصالحه؟

 

 

 

لذلك فإن أي دعوة لرئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لزيارة أي دولة يجب ألا تُقرأ باعتبارها مجرد مجاملة دبلوماسية، وإنما تُدرس من زاوية الأمن القومي والمكاسب السياسية الحقيقية التي ستعود على السودان.

 

 

 

 

إن العلاقات بين السودان وجنوب السودان تفرضها الجغرافيا والمصالح المشتركة، ولا أحد يدعو إلى القطيعة أو العداء. فملفات النفط، والحدود، والتجارة، وأمن البلدين، كلها تقتضي استمرار التواصل والتنسيق. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن يكون كل ملف على مستوى رؤساء الدول، خاصة في ظل ظروف استثنائية ما تزال تمر بها البلاد.

 

 

 

 

الأولوية اليوم يجب أن تكون لترسيخ الانتصارات العسكرية، واستكمال بسط هيبة الدولة، وإدارة السياسة الخارجية وفق مبدأ واضح أعلنته وزارة الخارجية السودانية، وهو مراجعة العلاقات مع الدول وفق مواقفها من حرب الكرامة. فهذا هو المعيار الذي يحفظ كرامة الدولة ويؤسس لعلاقات متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل.

 

 

 

كما أن مقتضيات الأمن الرئاسي في أوقات الحرب تستوجب أعلى درجات الحذر في تحركات رأس الدولة. فهذه ليست قضية شجاعة أو تردد، وإنما مسؤولية وطنية تتعلق بحماية قيادة الدولة واستقرار مؤسساتها.

 

 

 

 

إن السودان اليوم ليس في موقع الباحث عن الوساطات أو المجاملات، بل في موقع الدولة التي تعيد ترتيب أوراقها بعد أن أثبتت قدرتها على الصمود واستعادة زمام المبادرة. ومن حقه أن يختار توقيت تحركاته الخارجية، وأن يحدد مستوى تمثيله في أي لقاء بما يخدم مصالحه العليا.

 

 

 

إن حسن الجوار قيمة مهمة، لكن حسن الجوار الحقيقي يُقاس بالمواقف عند الشدائد، وليس بالشعارات وحدها. والسياسة الحكيمة تقتضي أن تُبنى الثقة بالتدرج، وأن تُترجم النوايا إلى مواقف عملية واضحة، قبل الانتقال إلى خطوات ذات رمزية سياسية كبيرة.

 

 

 

حفظ الله السودان، وألهم قيادته الرشد في اتخاذ القرارات التي تصون سيادته، وتحفظ أمنه، وتحقق مصالح شعبه.