آخر الأخبار

عدادات الكهرباء تحت المجهر… الشفافية ليست خياراً والتحقيق هو الطريق لحماية المال العام

بقلم: الدكتور البشير الحسن أبونخل

 

في الدول التي تُحترم فيها مؤسساتها، لا تُقاس قوة الإدارة بقدرتها على تمرير القرارات، وإنما بقدرتها على إخضاع نفسها للرقابة والمساءلة، ولا تُحمى سمعة المسؤولين بإغلاق أبواب الأسئلة، بل بفتحها على مصاريعها أمام الحقائق والأدلة والشفافية.

ومن هذا المنطلق، فإن قضية عطاء عدادات الكهرباء الذي أُعلن عن ترسيته مؤخراً ليست قضية عادية يمكن تجاوزها بالصمت أو الاكتفاء بتبريرات عامة، بل هي ملف عام يتعلق بمورد حيوي يمس حياة ملايين المواطنين، ويستوجب قدراً عالياً من الوضوح والنزاهة والدقة.

إن الحديث عن استيراد نحو خمسمائة ألف عداد كهرباء ليس مجرد حديث عن صفقة تجارية، وإنما عن أموال عامة، وعن خدمة أساسية، وعن ثقة المواطن في مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة موارده بعيداً عن أي شبهة تضارب مصالح أو استغلال للنفوذ.

لقد ظهرت تساؤلات مشروعة حول الكيفية التي تمت بها إجراءات الترسية، وحول طبيعة العلاقة بين الشركة التي فازت بالعطاء وبعض المسؤولين في وزارة الطاقة، وهي تساؤلات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها تشويشاً أو استهدافاً لأشخاص بعينهم؛ فالشفافية الحقيقية لا تخشى الأسئلة، والنزاهة لا تضيق بالمراجعة، بل إن التحقيق المهني هو الذي يبرئ الساحة ويضع النقاط على الحروف.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في إدارة المال العام ليس فقط وقوع التجاوزات، وإنما ترك الشبهات بلا إجابات واضحة، لأن الشبهة في القضايا العامة لا تعالج بالإنكار، وإنما بالوثائق والإجراءات القانونية التي تكشف الحقيقة كاملة.

ومن حق الشعب أن يعرف:

كيف تم طرح العطاء؟ما المعايير التي استندت إليها لجنة التقييم؟ما الشركات التي تقدمت للمنافسة؟ما أسباب اختيار العرض الفائز دون غيره؟هل كانت هناك أي علاقة سابقة أو حالية بين الشركة الفائزة وأي مسؤول له صلة مباشرة بملف العطاء؟وهل تم اتخاذ الإجراءات التي تمنع تضارب المصالح وتحفظ مبدأ تكافؤ الفرص؟

هذه ليست أسئلة عدائية، بل هي أسئلة وطنية مشروعة تفرضها طبيعة المسؤولية العامة. فالمناصب الرفيعة ليست حصانة من المساءلة، والمسؤولية لا تمنح صاحبها حق الابتعاد عن دائرة التدقيق، بل تجعله أكثر التزاماً بالوضوح والشفافية.

إن رئيس مجلس الوزراء والأجهزة الرقابية المختصة أمام اختبار حقيقي لترسيخ مفهوم الدولة المؤسسية؛ ففتح تحقيق عاجل وشفاف لا يعني إدانة أحد، وإنما يعني احترام القانون وحماية سمعة المؤسسات وإغلاق الباب أمام القيل والقال.

أما ترك الملف معلقاً وسط همس الشارع وتساؤلات الناس، فإنه يفتح المجال لتضخم الشائعات ويضر بصورة الدولة أكثر مما يضر بأي طرف آخر. فالحقائق وحدها هي القادرة على إنهاء الجدل، والمستندات وحدها هي القادرة على إسكات الأصوات المتشككة.

لقد عانى السودان طويلاً من آثار ضعف الرقابة وغياب الشفافية في إدارة الموارد العامة، ولذلك فإن المرحلة الحالية تتطلب قطيعة حقيقية مع كل ممارسات الماضي التي جعلت المال العام عرضة للشكوك أو النفوذ أو المصالح الخاصة.

إن التحقيق في هذا الملف ليس مطلباً ضد شخص، ولا حملة على جهة، وإنما هو دفاع عن مبدأ: أن المال العام أمانة، وأن العقود الحكومية يجب أن تكون فوق الشبهات، وأن المواطن من حقه أن يطمئن إلى أن كل جنيه يُصرف باسم الدولة يخضع لأعلى درجات النزاهة والانضباط.

فالعدالة لا تخشى التحقيق، والمسؤول النزيه لا يخشى التدقيق، والدولة القوية هي التي تجعل الشفافية قاعدة عمل لا شعاراً يُرفع عند الحاجة.

لذلك فإن تشكيل لجنة تحقيق مستقلة وعاجلة لمراجعة إجراءات عطاء عدادات الكهرباء، وإعلان نتائجها للرأي العام، يمثل خطوة ضرورية لترسيخ الثقة، وحماية المال العام، وإعلاء قيمة الدولة فوق أي اعتبار آخر.

فالأسئلة المفتوحة لا تُغلق إلا بإجابات مفتوحة، والشفافية لا تُثبت بالكلمات، وإنما بالأفعال والوثائق والحقائق.