آخر الأخبار

دقن الخميني… قصة أحد أشهر قطع الحلي السودانية وسبب تسميتها بذلك

قد يبدو الاسم للوهلة الأولى سياسياً، لكن الحقيقة مختلفة تماماً. ف«لُبّة دقن الخميني» ليست شعاراً أو رمزاً مرتبطاً بإيران، وإنما واحدة من أشهر قطع الحلي التقليدية التي ترافق طقوس الجرتق السودانية، واستمدت اسمها من شكلها الهندسي الذي يشبه اللحية، لا من أي دلالة سياسية.

 

 

 

 

ويُعد الجرتق من أبرز طقوس الزواج التقليدي في السودان، إذ تمتزج فيه الزينة بالموروث الشعبي، وترافقه حلي تحمل أسماء وقصصاً تناقلتها الأجيال، بعضها ظل متداولاً لعقود من دون أن يعرف كثيرون أصل تسميته.

 

 

 

 

وتُقام مراسم الجرتق، التي تنتشر في معظم أنحاء السودان، بعد عقد القران، حيث يرتدي العروسان أزياء تقليدية، وتُستخدم الحلي والبخور والعطور والمحلب وخشب الصندل، في طقس اجتماعي يجمع بين الزينة والرمزية الشعبية، ويُعد من أكثر مراسم الزواج السوداني تميزاً.

 

 

 

 

هذا الجانب من التراث السوداني سلطت الضوء عليه الباحثة المتخصصة في التراث، الدكتورة سلوى عبد المجيد المشلي، في منشور توثيقي على صفحتها بموقع «فيسبوك»، كشفت فيه قصة العقد، وطريقة صناعته، ودلالاته الاجتماعية، في إطار سلسلة توثق الحلي التقليدية السودانية.

 

 

 

وتقول سيدة سودانية تحدثت لـ”العربية.نت” و”الحدث.نت” إن زينة الجرتق شهدت تغيرات كبيرة خلال العقود الأخيرة، موضحة أن العروس في الماضي كانت تكتفي بقطع بسيطة مثل «الحقّة» والمبخر والسبحة، قبل أن تدخل لاحقاً حلي أكثر تنوعاً، مثل الجدلة والطاقية المزينة بالجنيهات، ثم ظهرت في السنوات الأخيرة عقود كبيرة وثقيلة تمتد أحياناً حتى الركبتين، في انعكاس واضح لتطور أزياء الجرتق وتبدل الأذواق.

 

 

 

من الجنيه الذهبي إلى “دقن الخميني”

 

 

 

ووفقاً لما أوردته المشلي، فإن العملات الذهبية التي تحمل صوراً لملوك أو شخصيات تاريخية لم تكن تُستخدم للزينة فحسب، بل ارتبطت أيضاً بمعتقدات شعبية قديمة، إذ كان يُعتقد أنها تصرف العين والحسد عن العروسين، فتقع العين على الصورة بدلاً من صاحبها.

 

 

 

 

ولهذا السبب، لم يجد الريال المجيدي، وهو عملة فضية عثمانية كانت متداولة في السودان خلال العهد التركي، مكاناً في حلي الجرتق، لأنه يخلو من الصور.

 

 

 

 

وتوضح الباحثة أن الجنيه الإنجليزي الذهبي، الذي يحمل صورة الملك جورج الخامس، شكّل لعقود المادة الأساسية في صناعة عدد من أشهر الحلي السودانية، بينها عقد التيلة، والجدلة، واللُّبّة الإفرنجي، واللُّبّة البلدي، وغويشة القوات المسلحة، وقطعة «أحفظ مالك»، وخاتم الجنيه، قبل أن تدفع أسعار الذهب المرتفعة كثيراً من الصاغة إلى تصنيع نماذج مطلية بالذهب أو تأجيرها في المناسبات.

 

 

 

 

أما «لُبّة دقن الخميني» – وهي عقد تقليدي يُرتدى حول العنق ضمن زينة الجرتق، وتُعد من الحلي والمشغولات الذهبية الشعبية في السودان – فتصفها المشلي بأنها تتدلى على الصدر، وتتكون من صفوف أفقية ورأسية من الجنيهات الذهبية، بينها الجنيه الإنجليزي عيار 21، أو بدائلها، ترتبط بحلقات معدنية صغيرة على شكل حرف (S) الإنجليزي، بينما تُوزَّع قطع ربع الجنيه بصورة غير منتظمة، وفق رؤية الصائغ.

 

 

 

 

ويبدأ العقد عريضاً عند العنق، ثم يتدرج في الضيق حتى ينتهي بجنيه واحد، ليأخذ شكل مثلث مقلوب يشبه اللحية، وهو ما منحه اسمه الشعبي «دقن الخميني»، في إشارة إلى التشابه مع لحية مرشد الثورة الإيرانية الراحل روح الله الخميني، وهو اسم ظل متداولاً بين الصاغة والأسر السودانية لعقود.

 

 

 

آلاف الدولارات في عقد واحد… حين أصبح «الذهب الصيني» بديلاً

 

 

 

وتؤكد السيدة أن معظم هذه العقود لم تعد تُصنع اليوم من الذهب الخالص كما كان في الماضي، بل أصبحت في الغالب نماذج مطلية أو مصنوعة من معادن بديلة، وتوفرها محال متخصصة بنظام التأجير، بعدما جعلت الزيادات الكبيرة في أسعار الذهب اقتناءها أمراً يفوق قدرة كثير من الأسر.

ورغم أن «دقن الخميني» لا يملك سعراً ثابتاً، فإن العقد المصنوع من عشرات العملات الذهبية قد تصل قيمته إلى آلاف الدولارات، في ظل ارتفاع أسعار الذهب.

 

 

ومع اتساع الفارق بين كلفة الذهب وقدرة الأسر، ظهرت بدائل من «الذهب الصيني» تُؤجَّر في المناسبات، لتمنح العروس مظهر العقد التقليدي من دون كلفة اقتناء الذهب الأصلي.

 

 

 

 

تراث يتغير… وذاكرة تقاوم الاندثار

 

 

 

 

وتضيف السيدة لـ”العربية.نت”و”الحدث.نت” أنها، مثل كثيرين، لا تعرف على وجه الدقة كيف ظهرت تسمية «دقن الخميني» لأول مرة، لكنها تؤكد أن الاسم ظل متداولاً بين الصاغة والأسر السودانية منذ سنوات طويلة، وانتقل شفهياً من جيل إلى آخر حتى أصبح جزءاً من مفردات الجرتق السوداني.

 

 

 

 

ويستند هذا التوثيق إلى رسالة الماجستير التي أعدتها المشلي بعنوان «حرفة الصياغة التقليدية.. التقنية وتحديات الاستمرار»، في محاولة لإنقاذ تفاصيل حرفة وحكايات حلي سودانية قد تختفي مع مرور الوقت.

 

 

 

 

فخلف اسم «دقن الخميني» الغريب، لا تختبئ قصة عقد من الذهب فحسب، بل ذاكرة اجتماعية كاملة، توشك التحولات الاقتصادية وارتفاع كلفة الذهب وتراجع المهن التقليدية على دفعها إلى النسيان.