صرخة في وجه الجاهلية الرقمية
قصة قصيرة
مريم موسى – جيبوتي:
بينما كنت أتنقل بين صفحات الفيسبوك كالعادة، متأملاً في هذا الفضاء الأزرق الممتد، أبحث وسط ركام المنشورات التافهة والمكررة عن كلمة راقية، أو فكرة تلامس الروح، أو دندنة تعيد للقلب هدوءه.. استوقفني منشور جمد أصابعي على الشاشة.. لم يكن مجرد منشور عادي، بل كان طعنة مفاجئة للمشاعر الإنسانية..كان الأب يعلن للناس عن ولادة طفلته الجديدة، الطفلة السادسة.. لكنه بدلاً من أن يفيض شكراً وحمداً، اختار كلمات قاسية كالحجارة، وكتب بمرارة واضحة: رزقت بالبلاء السادس..في تلك اللحظة، شعرت بغصة حقيقية تخنق أنفاسي. انقبض قلبي وداهمتني موجة عارمة من الضيق والانزعاج. كيف يمكن لأب، في هذا العصر، أن يستقبل هبة الله بهذه الغلظة؟ كيف يجرؤ قلب على تسمية طفلة رضيعة، ناصعة البياض، لا حول لها ولا قوة، بأنها (بلاء) بمجرد أنها أنثى؟ شعرت وكأن قطار الزمن عاد بي فجأة آلاف السنين إلى الوراء، إلى أيام الجاهلية الأولى، حيث كان الوأد يُمارس علناً، لكنه اليوم يُمارس رقمياً بكلمات تقتل الروح قبل الجسد.أغلقت الهاتف بعنف، لكن الكلمة لم تغلق. ظلت كلمة بلاء تتردد في ذهني، تصنع ضجيجاً مؤلماً.. تساءلت في سري: كيف سيكون شعور هذه الطفلة البريئة حين تكبر وتقرأ ما كتبه والدها عنها في يوم ميلادها؟ كيف ستمحو من ذاكرتها أنها خيبت أمل أبيها لمجرد وجودها؟ شعرت برغبة عارمة في البكاء نيابة عن تلك الصغيرة، وفي نفس الوقت تملكتني رغبة جارفة في الصراخ في وجه هذا الأب وجلده بالكلمات لعل وعيه يستيقظ.أعدت فتح الهاتف، وذهبت إلى المنشور مجدداً. نظرت إلى الحروف وتأملتها بأسى عميق. أردت أن أكتب، أردت أن أفرغ كل هذا الشحن الوجداني المؤلم في سطور متناسقة وطويلة، لعلها تصل إليه أو إلى كل من يشبهه. أردت أن أقول له إن البلاء الحقيقي ليس في الغصون الرقيقة التي تنبت في بيتك، بل البلاء هو الجفاء الذي يسكن قلبك.البنات لسن بلاءً، بل هنّ أرق الكائنات، وأقربهن إلى قلب الأب إذا أدرك معنى الأبوة. هنّ اللواتي يمسحن جبين الأب بنظراتهن الحانية، وهنّ السند الحقيقي حين تضعف الأجساد. وضعت أصابعي على لوحة المفاتيح، وبدأت أكتب بقلم ينبض بالحرقة والأمل معاً، معلناً أن هذه الطفلة السادسة ستكون يوماً ما النعمة التي تضيء عتمة أيامه، حتى وإن عجزت بصيرته اليوم عن رؤية النور.