آخر الأخبار

دمج الجامعات الخاصة.. هل يعني تضخم جودة التعليم؟ (2-2)

  • السودان يحتاج للجامعات الخاصة بشرط ان يكون تعليما منضبطا
  • سوق للكورسات التأهيلية لإمتحان مزاولة المهنة لخريجي الطب والهندسة من بعض الجامعات الخاصة
  • أستاذ: لولا الجامعات الخاصة لأصبح معظم خريجي الثانوي خارج الجامعات
  • كليات الطب بالجامعات الخاصة إستحوذت على الأساتذة الأكفاء بالدولار.. والحكومية لم يتبق فيها سوى كبار السن وحديثي التخرج

تحقيق ــ التاج عثمان:
الجامعات الخاصة تعد إضافة حقيقية لحقل التعليم بل ان البعض يرى انها انقذت التعليم العالي من الإنهيار وإنتشلت الالاف من خريجي الشهادة السودانية من العطالة والبقاء في البيوت.. رغم هذه المزايا إلا ان أصوات الإنتقادات لم تخفت في مسألة رسوم الجامعات الباهظة خاصة كليات الطب والهندسة.. فما هي اهداف ومرامي وزارة التعليم العالي بدمج بعض الجامعات داخل جامعة واحدة؟.. وهل هذا الإتجاه يعني إعتراف ضمني من الوزارة بتدهور مستويات بعض الجامعات الخاصة او ما يعرف في المصطلحات التعليمية الحديثة بـ(تضخم جودة التعليم).. التحقيق التالي يناقش الجامعات الخاصة ما لها وما عليها بالتركيز على المحاور المذكورة عبر هذا التحقيق الإستقصائي
شاهد عيان:
طبيب خريج إحدى كليات الطب الحكومية المرموقة، يحكي هنا كشاهد عيان تجربته مع بعض خريجي كليات الطب الخاصة بقوله:
بعض كليات الطب ببعض الجامعات الخاصة متدنية المستوى بدرجة مريعة، حيث لاحظت ان بعض خريجيها لا يعرفون تركيب الدرب، ويرتكبون أخطاء طبية في المراكز الصحية وبذلك اسأوا لبقية خريجي كليات الطب من الفئة (أ) ومن كليات الطب بالجامعات الحكومية، بل وتسببوا في فقدان الثقة في الأطباء عامة من المرضى.. فخريج الطب من الجامعات الحكومية يعمل في ظروف قاهرة ومتدنية وصعبة بالمستشفيات الحكومية، تكدس للمرضى، شح الأدوية، تعطل الأجهزة التشخيصية وإنعدام بعضها، فيقف خريج الطب الخاص عاجزا مكتوف اليدين ولا يستطيع التصرف مع المرضى، فيقول له قدامى الأطباء(إتصرف شخص المرض بالفحص السريري.. اكتب علاجا بديلا.. حول الحالة).. فخريج الطب الحكومي يعمل في ظروف قاسية بالمستشفى الحكومي فأصبح متمرسا في العمل في مثل هذه الظروف المعروفة التي تعاني منها مستشفياتنا الحكومية، ولذلك أصبح قادرا على تشخيص امراض المرضى باقل الإمكانيات المتوفرة او بالخبرة والفحص السريري.. اما بعض خريجي الطب الخاص فتجده في أقسام الطوارئ بالمستشفى الحكمومي يقف محتارا كالأطرش في الزفة يسال: أين السيستم؟، وين المعمل؟، لا يستطيع التعامل مع الحالات المرضية بدون أجهزة، وليس له دراية بتشخيص الأمراض بالفحص السريري.
إضافة ام خصم؟:


هل الجامعات الخاصة إضافة للتعليم العالي في السودان ام خصما عليه؟.. سؤال إجابته إختلفت حولها آراء أساتذة الجامعات سواء في التعليم الحكومي او الخاص، ففئة من أساتذة الجامعات الخاصة والحكومية، يرون ان الجامعات الخاصة تحتمل الحالتين معا، فإجابة السؤال ــ حسب وجهة نظرهم ــ تعتمد على جودة النظام التعليمي في الجامعات الخاصة، حيث ان بعضها تستوعب أعدادا كبيرة من خريجي الشهادة السودانية سنويا والبالغ عددهم حوالى 560 الف طالب وطالبة، تستوعب منهم الجامعات الحكومية نسبة 40 في المائة فقط من العدد المذكور، وهناك 129 جامعة خاصة الان في السودان، تستوعب أعدادا كبيرة من طلاب الشهادة السودانية كل عام، ولولا الجامعات الخاصة لكان نصف الشباب يقبعون داخل بيوتهم بلا تعليم جامعي
ويرى البعض ان الجامعات الخاصة تتميز بان طلابها يتخرجون في مواعيدهم عكس الجامعات الحكومية، مثلا طلاب الطب بالجامعات الحكومية، خاصة جامعة الخرطوم، يمكن ان يقضوا (7 ــ 8) سنوات في الطب الحكومي بسبب الإضرابات والمشاحنات السياسية، بينما طالب الطب بالخاص يتخرج في الوقت المحدد له، (5 ــ 6) سنوات، حيث تمنع الجامعات الخاصة ممارسة طلابها للنشاط السياسي داخل حرم الجامعة.. كما ان بعض الجامعات الخاصة ،خاصة الطبية ،تعتبر إضافة حقيقية للتعليم العالي لإستخدامها المعامل الحديثة، والبيئة المواتية كقاعات المحاضرات المكيفة، ونظام إلكتروني حديث للمحاضرات، بينما الجامعات الحكومية لا تزال تستخدم السبورة والطباشير لطلابها وكأنها مدرسة إعدادية.. ومن مزايا الجامعات الخاصة انها منحت وظائف لالاف الأساتذة والإداريين الذين تركوا العمل بالجامعات الحكومية لضآلة مرتباتها.. ويرى أصحاب هذا الرأي، ان الجامعات الخاصة (الملتزمة) أنقذت التعليم العالي من الإنهيار، والشباب من البطالة.
في المقابل يرى أساتذة الجامعات الذين إستطلعنا أراؤهم، ان بعض الجامعات الخاصة أصبحت خصما على التعليم العالي بسبب ضعف المستوى الاكاديمي لخريجيها، خاصة خريج كليات الطب الخاص، وبمستواهم الضعيف تسببوا في سمعة خريجي الطب بصفة عامة سواء بكليات الطب الحكومية او الخاصة الملتزمة بضوابط وزارة التعليم العالي.. مشيرين ان الجامعات الخاصة بمختلف تخصصاتها خاصة الطب والهندسة إستوعبت أعدادا كبيرة من أساتذة الجامعات الحكومية خاصة أساتذة الطب بسبب ضآلة المرتبات في الحكومي، يعملون بالساعة في (3 ــ 4) جامعات خاصة على الأقل.. وبعض أساتذة الجامعات الأكفاء، خاصة أساتذة الطب، أصبحوا يفضلون العمل بالجامعات الخاصة لانها تدفع لهم مرتبات مجزية بالدولار، بينما الحكومي يبقى فيه الأساتذة كبار السن وحديثي التخرج، فالخاص سحب افضل أساتذة الحكومي، ما تسبب في تدهور بعض الجامعات الحكومية، ويرون ان ذلك أثر كثيرا على مستوى الجامعات الحكومية خاصة كليات الطب، حيث أصبح هنالك طب للأغنياء وطب للفقراء، مشيرين بقولهم: (التعليم اصبح سلعة، لا حق دستوري، مما أخل كثيرا بمبدأ تكافؤ الفرص).
من تفاعل الآراء السابقة يمكن الوصول لنتيجة محددة مفادها، ان كليات الطب الخاصة إذا لديها مقر خاص بها، ومستشفى تعليمي لتدريب طلابها، ومعامل حديثة، وكادر تعليمي ثابت، ودفعات صغيرة من الطلاب، فهي بذلك تكون إضافة حقيقية للتعليم العالي.. اما إذا كانت مستأجرة منزل، وتعين أساتذة بالساعة، وتقبل أعداد كبيرة من الطلاب في كلية الطب، حيث ان بعضها يستوعب 300 طالب للدفعة الواحدة، فستكون خصما كبيرا على التعليم العالي، بل أنها قد تدمر سمعته.. فالسودان يحتاج للتعليم الجامعي الخاص بشرط ان يكون تعليم منضبط يتبع ضوابط وزارة التعليم العالي.. رغم صعوبة رقابة الوزارة على الجامعات الخاصة والتي وصل عددها إلى 129 جامعة خاصة في السودان، ما يصعب مهمة الوزارة الرقابية عليه والوقوف على ان ضوابطها ولوائحها التي تصدرها تطبق بالصورة المرجوة.
معايير الوزارة:
هنا يبرز سؤال آخر يتعلق بالسؤال الأخير الذي طرحناها أعلاه، وهو: ما هي معايير وزارة التعليم العالي المستخدمة حاليا لتصنيف الجامعات الخاصة؟.. وهي تتمثل في المعايير التالية:
ــ الحد الأدنى للكادر: يجب ان يتكون من: (العميد ــ الوكيل ــ المنسقين) متفرغين تماما للعمل داخل الجامعة.
ــ توفر البنية التحتية: (معامل ــ إتفاق تدريب لكليات الطب مع مستشفى تعليمي حكومي او مستشفى خاص معتمد من وزارة الصحة).
ــ مخرجات الإمتحان القومي: إذا كانت نسبة نجاح كلية الطب او اهندسة بالجامعات الخاصة أقل من 50 في المائة خلال سنتين ماضيتين، يتم إيقاف القبول للطلاب الجدد بالكلية المعنية.
إزدواجية المعايير:
أحد أساتذة الجامعات طرح قضية مهمة ــ حسب قوله ــ بقوله: (السعودية والإمارات لديها قائمة سوداء لبعض الجامعات السودانية الخاصة، لا يتم معادلة شهاداتها في الدولتين، بينما نفس الجامعات تعمل في السودان ومعتمدة من وزارة التعليم، ما يعني أن هناك إزدواجية في المعايير.. فلماذا لا تحذفها الوزارة طالما أن دول الخليج رفضت معادلة شهاداتها؟.
سوق الكورسات:
ظاهرة تعليمية مقلقة إنتشرت مؤخرا في العاصمة الخرطوم سببه ضعف مستوى خريجي الطب والهندسة لبعض الجامعات الخاصة، حيث ظهر سوق للكورسات، يطلق عليها أصحابها مراكز لتاهيل خريجي الطب والهندسة لتقوية مستواهم لخوض إمتحان المجلس القومي السوداني للتخصصات الطبية ، ونظيره الهندسي.. هذه المراكز رسومها في حدود (500 ــ 800) الف جنيه، بمعنى ان طالب الطب او الهندسة خريج الجامعة الخاصة يدفع 40 مليون في كلية الطب الخاصة، ومرة أخرى يدفع في الكورسات حتى ينجح في إمتحان مزاولة مهنة الطب او الهندسة.. لدرجة ان بعض المشفقين على مستوى التعليم الجامعي في السودان وصف هذه ظاهره كورسات التقوية التأهيلية بقوله: (الكورسات التأهيليةالتي إنتشرت بالخرطوم، عبارة عن صناعة قائمة على فشل بعض الجامعات الخاصة).