آخر الأخبار

كأس الخيبة

 

خضرة عبده صالح

صرختُ في وجهه والدموع تخنق صوتي

وثقتُ بك ثقة عمياء، أستحق ما يحدث لي

نظر إلي ببرود وقال

أنا لم أطلب منكِ أن تتركي عائلتكِ، أنتِ من اخترتِ ذلك

لم أستوعب ما حدث. زوجي الذي أحببته أكثر من نفسي، وضحيت من أجله بحلمي وعائلتي، رأيته يخونني أمام عيني! لُجم لساني حين رأيته يلاعب طفلة في الثالثة من عمرها؛ طفلته هو! الرجل نفسه الذي كان يتهرب دائماً من الحديث عن الأطفال، ويغلق كل باب حين ألمح إلى رغبتي في أن نصبح والدين. شعرت كأن السنوات الخمس التي عشتها معه لم تكن سوى حلم طويل، استيقظت منه دفعة واحدة. كنت أحدق في عينيه، أبحث فيهما عن الرجل الذي أحببته، عن ذاك الشخص الذي قطع لي الوعود وأقنعني بأنني أهم ما في حياته قلت له

كيف استطعت خيانتي؟ أنا التي وقفت في وجه أبي من أجلك!. فأجابني ببرود

أنتِ من ضحيتِ، وأنا لم أطلب منكِ ذلك أنتِ من تركتِهم

كانت كلماته أشد قسوة من الخيانة نفسها.تجمدت الدماء في عروقي، وعاد بي شريط الذاكرة إلى خمس سنوات مضت؛ إلى ذلك اليوم الذي وقف فيه أبي أمامي غاضباً، ورفع يده محذراً

صدقيني يا ابنتي، هذا الرجل ليس مناسباً لكِ.. ستعودين يوماً نادمة، حينها لن تستطيعي رفع عينيكِ من الأرض.

لم أستمع إليه؛ اخترت الحب، أو ما ظننته حباً، وتركت خلفي بيتاً احتواني، وأباً خسرته في لحظة عناد، وأنا أرى الدموع في عينيه ولم ألتفت إليها.خرجت من البيت كمن يهرب من حريق. ركضت والدموع تحجب عني الطريق، بينما كان هاتفي يهتز برسائله واتصالاته.. لم أجب. وفجأة وجدت نفسي أمام بيت عائلتي. طرقت الباب، ففتح أخي.. رفعت عيني إليه للحظة، ثم خفضتهما سريعاً.. كنت أعرف من نظرته أنه يعلم كل شيء.وقبل أن أتكلم، عاد بي شريط الذكريات إلى أسبوع مضى. كان أخي قد زارني يومها، وجلس أمامي طويلاً قبل أن يقول بصوت مثقل بالقلق

يا أختي، زوجكِ يخونكِ! رأيته بأم عيني في كارتييه دي مع امرأة أخرى، وعرفت أنه متزوج منها وله طفلة

لم أصدقه؛ دافعت عنه بكل ما أملك، وقلت لأخي بغضب

أنت تكرهه، ولهذا تريد أن تفسد حياتي معه

نظر إلي طويلاً، ثم قال بحسرة

يا غبية.. افتحي عينيكِ قبل أن تخسري نفسكِ

لكنني لم أدرك أن كلامه سيصل إلى قلبي.وبعد أيام، وصلتني رسالة من رقم مجهول

إن كنتِ لا تصدقين كلام أخيكِ، فاذهبي الآن إلى العنوان الذي سأرسله لكِ، وانظري بنفسكِ

ذهبت؛ ذهبت لأثبت أن الرجل الذي اخترته لا يمكن أن يخدعني، ولم أذهب لأكتشفه. ولكنني هناك، شربت كأس الخيبة ورأيت الحقيقة بعيني، ولا مجال للكذب على نفسي.عدت إلى الحاضر، وأنا واقفة أمام أخي والدموع تملأ وجهي. لم أستطع رفع عيني إليه، لكنه لم يوبخني، ولم يقل: ألم أقل لكِ؟ فتح ذراعيه فقط، كما كان يفعل حين كنتُ صغيرة. احتضنني وبكيت كطفلة عادت إلى بيتها بعد ضياع طويل، وكأن ذراعيه كانتا تقولان لي ما عجزت الكلمات عن قوله

لقد عدتِ.. وهذا يكفي

جلسنا طويلاً، حكيت له كل شيء، واعترفت بأنني أخطأت. قال لي أخي

المهم أنكِ عرفتِ الحقيقة. لا تجعلي خطأكِ الأول سبباً لخطأ ثانٍ

فهمت ما يقصده؛ لم أرد الانتقام، ولم أعد أريد أن أثبت له شيئاً.. لقد أخذ مني ما يكفي. كنت أخجل من مواجهة أبي وأمي، لكنني قررت أن أعود إليهما مهما كان الثمن.وفي تلك اللحظة التي كنتُ فيها مع أخي وأمي وأبي، رنّ هاتفي.. أخبروني أن زوجي فارق الحياة نتيجة قَتْلِهِ على يد زوجته الجديدة. بكيتُ بحرقة، ومن أعماق قلبي، الذي سلبه منذ زمن طويل.