آخر الأخبار

الدبة – عادل الحاج:

في الوقت الذي تتجاوز فيه درجات الحرارة 45 درجة مئوية، وتقترب في بعض المناطق من 48 درجة وأكثر، يعيش ملايين السودانيين في عدد من الولايات، وفي مقدمتها الخرطوم، وبورتسودان، ونهر النيل، والشمالية، تحت وطأة جحيم مزدوج: حرارة لا تُطاق ،وظلام يخيّم على البيوت والأسواق والمستشفيات ومواقع الإنتاج.

ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً أن الولاية الشمالية، التي تحتضن سد مروي، أحد أهم مصادر التوليد الكهرومائي في السودان، تعاني هي الأخرى من قطوعات كهربائية متواصلة، تركت آثاراً قاسية على حياة المواطنين وأعمالهم وزراعتهم وخدماتهم الأساسية، والأدهى والأمرّ أن تلك الولاية المهمشة والمغلوب على أمرها آخر ما ينظر إليها في الإمداد الكهربائي على الرغم من أن سد مروي يتربع فيها.. فأي ظلم وتهميش هذا؟.

ففي ظل تلك الظروف القاسية، ومع إرتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قاربت سقف  50 درجة مئوية بالولاية الشمالية، لم يجد كثير من الأهالي، خصوصاً في الأرياف، سوى العودة إلى وسيلة بدائية عرفت طريقها إلى البيوت السودانية منذ

عقود طويلة وهي القِرب ــ جمع قربة بكسر القاف ــ والتي تصنع في الغالب من جلود الماعز أو العجول الصغيرة، بعد دباغتها ومعالجتها وإزالة الشعر منها بمواد تقليدية، لم تعد القربة مجرد وعاء لحفظ المياه، وإنما تحولت من جديد إلى وسيلة طبيعية لتبريد مياه الشرب، في مشهد يعكس حجم المعاناة التي يعيشها المواطن مع إستمرار إنقطاع التيار الكهربائي وإرتفاع درجات الحرارة.

وتعيد هذه القِرب السودانيين إلى أكثر من ثمانين عاماً مضت، حين كان الأجداد يعتمدون عليها في حفظ مياه الشرب وتبريدها قبل أن تدخل الثلاجات والمبردات الكهربائية إلى تفاصيل الحياة اليومية.

وبينما كانت القِربة في الماضي جزءاً أصيلاً من حياة الريف السوداني وتراثه، فإن عودتها اليوم تحمل دلالة مختلفة؛ فهي ليست عودة رومانسية إلى الماضي بقدر ما هي عودة إضطرارية فرضتها قسوة الحاضر.

ففي زمن أصبحت فيه الثلاجة والمكيف والمروحة من أساسيات الحياة، يجد المواطن نفسه مضطراً إلى البحث عن حلول من زمن الأجداد، بعدما أصبحت الكهرباء تنقطع لساعات طويلة، بينما يواصل الصيف ضغطه على الناس.

وهكذا تقف القِربة معلقة على أغصان الأشجار في بعض مدن الشمالية تحمل الماء وتبرده بالطريقة التي عرفها الأجداد، وكأنها تقول إن ما عجزت التكنولوجيا الحديثة عن توفيره في لحظات إنقطاع الكهرباء، ما زال التراث قادراً على تقديم جزء منه.

إنها مفارقة سودانية مؤلمة: في الوقت الذي يتقدم فيه العالم نحو تقنيات أكثر تطوراً للتبريد والطاقة، يعود المواطن السوداني إلى القِربة، لا حباً في الماضي، وإنما هرباً من حاضرٍ أثقلته الحرارة وإنقطاع الكهرباء.

نعلم جميعاً ان هناك جهوداً تبذل لإصلاح الخلل الكبير الذي ضرب قطاع الكهرباء في السودان بسبب الحربالتي قضت على الأخضر واليابس، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبصوت أعلى من أي وقت مضى: إلى متى يستمر هذا الوضع القاسي والمميت؟.

لقد أصبحت الكهرباء في السودان أكثر من مجرد خدمة، إنها شريان الحياة، فالمياه تحتاج إلى الكهرباء، والمستشفيات تحتاج إليها، والإتصالات تعتمد عليها، والمحال التجارية والمصانع والورش  تتوق إليها، كما أن الزراعة، التي يعوّل عليها السودان في إستعادة إقتصاده، لا يمكن أن تنهض في ظل إنقطاع التيار الكهربائي .. فمتى تنعم علينا شركة الكهرباء بتيار كهربائي مستمر؟.