
استقرار الجنيه السوداني.. من إدارة الأزمة إلى إصلاح جذور الاختلال
بقلم: د. البشير الحسن أبونخل
لم يعد تدهور سعر صرف الجنيه السوداني مجرد مؤشر اقتصادي يتحرك في شاشات المصارف أو أسواق النقد الأجنبي، وإنما أصبح قضية تمس بصورة مباشرة معيشة المواطن، وأسعار السلع، وتكلفة الإنتاج، وقدرة الدولة على توفير احتياجاتها الأساسية. ولذلك فإن استقرار سعر الصرف ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره هدفاً نقدياً منفرداً، بل بوصفه جزءاً من معركة أوسع لاستعادة التوازن الاقتصادي وإعادة بناء الثقة في الجهاز المصرفي والعملة الوطنية.
وفي هذا السياق، يكتسب الاجتماع التنسيقي الذي عقده بنك السودان المركزي مع مديري عموم المصارف التجارية أهمية خاصة، لا سيما أنه تناول استقرار سعر الصرف، وتوفير النقد الأجنبي لاستيراد السلع الضرورية والاستراتيجية، وتقييم آثار تدخل البنك المركزي في زيادة عرض النقد الأجنبي لتحقيق التوازن في سوق الصرف.
غير أن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يتقدم على كل الإجراءات الآنية هو: لماذا يتدهور الجنيه أصلاً؟ وما الذي يمكن فعله لإيقاف هذا التدهور على المدى القصير، ثم معالجة أسبابه البنيوية على المديين المتوسط والطويل؟
لماذا يفقد الجنيه قيمته؟
لا يمكن اختزال أزمة سعر الصرف في عامل واحد. فهي نتاج تفاعل مجموعة من الاختلالات النقدية والمالية والإنتاجية والتجارية، وقد عمّقت الحرب هذه الاختلالات بصورة غير مسبوقة.أول هذه العوامل هو ضعف تدفقات النقد الأجنبي مقارنة بالطلب عليه. فالسودان يحتاج إلى العملات الأجنبية لتمويل الواردات، بينما تراجعت قدرته الإنتاجية والتصديرية بفعل الحرب، وتعطلت قطاعات حيوية، وتضررت البنية التحتية، وانكمشت الأنشطة الاقتصادية في عدد من المناطق.
وثانيها اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية. وكلما اتسعت هذه الفجوة، أصبحت السوق الموازية أكثر قدرة على جذب النقد الأجنبي، وتحولت إلى مرجع فعلي لتسعير السلع والخدمات، الأمر الذي يخلق حلقة مفرغة: ارتفاع سعر الدولار، ثم ارتفاع الأسعار، ثم زيادة الطلب على الدولار للتحوط من مزيد من الانخفاض في قيمة الجنيه.
وثالثها تراجع الثقة في العملة الوطنية. فالعملة لا تستمد قوتها من قرارات إدارية فقط، وإنما من قوة الاقتصاد الذي تستند إليه، ومن الثقة في السياسات النقدية والمالية، ومن قدرة الدولة على ضبط الأسواق والمحافظة على استقرار المالية العامة.وهنا يبرز عامل بالغ الأهمية يتمثل في العجز المالي وتمويله. فكلما توسعت الكتلة النقدية دون أن يقابلها نمو مماثل في الإنتاج الحقيقي، زاد الضغط التضخمي وارتفع الطلب على النقد الأجنبي باعتباره ملاذاً لحفظ القيمة.
كما يمثل تهريب الذهب وتسرب حصائل الصادرات إلى خارج الجهاز المصرفي استنزافاً خطيراً لموارد البلاد من النقد الأجنبي. ولذلك فإن ما طرحه بنك السودان المركزي بشأن زيادة حصائل الصادرات وضمان استردادها إلى الجهاز المصرفي ليس إجراءً مصرفياً عابراً، وإنما يمثل أحد المفاتيح الأساسية لمعالجة أزمة النقد الأجنبي.
التدخل وحده لا يكفي
من الطبيعي أن يتدخل البنك المركزي عندما يتعرض سوق النقد الأجنبي لاختلال حاد، وأن يعمل على زيادة العرض من العملات الأجنبية لامتصاص الطلب غير المبرر وتوفير احتياجات استيراد السلع الضرورية والاستراتيجية.لكن يجب التفريق بين التدخل لتصحيح اختلال مؤقت وبين محاولة تثبيت سعر صرف لا يستند إلى مقومات اقتصادية حقيقية.فإذا ضخ البنك المركزي النقد الأجنبي بصورة مستمرة دون معالجة أسباب العجز، فإن التدخل قد يتحول من أداة للاستقرار إلى استنزاف للاحتياطيات. أما إذا جاء التدخل ضمن سياسة متكاملة تستهدف ضبط الطلب، وزيادة الموارد، وتشجيع الصادرات، ومكافحة التهريب، وإصلاح المالية العامة، فإنه يصبح أكثر فاعلية واستدامة.لذلك فإن المطلوب ليس فقط أن يسأل السوق: كم سيضخ البنك المركزي من الدولار؟ بل أن يسأل الاقتصاد كله: من أين يأتي الدولار؟ وكيف نزيد موارده؟ وكيف نضمن دخوله إلى القنوات الرسمية؟ وكيف نخفض الطلب غير الضروري عليه؟
المعالجة العاجلة: تهدئة سوق الصرف
على المدى القصير، ينبغي أن تركز السياسة النقدية على إعادة الهدوء والانضباط إلى سوق النقد الأجنبي.ويأتي في مقدمة ذلك توحيد وتنسيق آليات التعامل بالنقد الأجنبي بين البنك المركزي والمصارف التجارية، مع توفير النقد الأجنبي بصورة شفافة ومنضبطة للسلع الضرورية والاستراتيجية، خصوصاً الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج والسلع ذات الأولوية.
كما ينبغي العمل على تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، ليس بقرار إداري منفرد، وإنما من خلال زيادة العرض الرسمي للنقد الأجنبي، وترشيد الطلب عليه، وإحكام الرقابة على العمليات المصرفية والتجارية.وفي الوقت نفسه، يجب تشديد الرقابة على عمليات الصادر والوارد، والتأكد من سلامة المستندات، وضمان عودة حصائل الصادرات إلى الجهاز المصرفي، مع اتخاذ إجراءات صارمة تجاه التلاعب والتهريب والمضاربات غير المشروعة.
ومن المهم أيضاً أن تكون تدخلات البنك المركزي معلنة ومنضبطة وقابلة للتوقع؛ لأن غياب المعلومات يغذي الشائعات والمضاربة، بينما توافر المعلومات يعزز الثقة ويقلل حالة الهلع التي تدفع الأفراد والشركات إلى شراء النقد الأجنبي بأي سعر.
الذهب.. مفتاح أساسي للنقد الأجنبي
لا يمكن الحديث عن استقرار الجنيه دون الحديث عن الذهب.السودان يمتلك مورداً ضخماً يمكن أن يشكل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، لكن قيمة هذا المورد تتراجع بالنسبة للاقتصاد الوطني عندما تتسرب حصائله عبر التهريب أو خارج النظام المصرفي.المطلوب هنا هو جعل القنوات الرسمية أكثر جاذبية من السوق غير الرسمية، من خلال سياسات شراء وتصدير واضحة، وأسعار تنافسية، وإجراءات مصرفية سريعة، وحوافز للمنتجين والمصدرين، بالتوازي مع تشديد العقوبات على التهريب.وكل دولار يعود إلى الجهاز المصرفي من الذهب أو الصادرات يمثل دعماً مباشراً للجنيه، بينما كل دولار يخرج خارج القنوات الرسمية يمثل ضغطاً إضافياً على سعر الصرف.
المصارف التجارية.. شريك أساسي
اجتماع البنك المركزي بمديري عموم المصارف ينبغي ألا يكون مجرد اجتماع تشاوري دوري، بل يمكن أن يشكل نقطة انطلاق نحو شراكة حقيقية في إدارة سوق النقد الأجنبي.فالمصارف التجارية هي الحلقة التي تصل بين البنك المركزي والمصدر والمستورد والمواطن والمستثمر. ولذلك فإن كفاءة الجهاز المصرفي، وسرعة تنفيذ العمليات، ووضوح الإجراءات، ومكافحة التجاوزات، كلها عناصر تؤثر مباشرة في سوق الصرف.ومن المهم تطوير أنظمة إلكترونية موحدة تتيح للبنك المركزي متابعة تدفقات النقد الأجنبي بصورة لحظية، ومعرفة مصادره واستخداماته، وربط بيانات الصادر والوارد والجمارك والمصارف والجهات المختصة، بما يقلل فرص التلاعب ويعزز الشفافية.
المعالجة الاستراتيجية: الدولار يُنتج قبل أن يُدار
أما على المدى الطويل، فإن استقرار سعر الصرف لن يتحقق من خلال إدارة الدولار فقط، وإنما من خلال إنتاج الدولار.وهنا تكمن القضية الجوهرية: السودان يحتاج إلى اقتصاد منتج ومتنوع قادر على توليد النقد الأجنبي بصورة مستدامة.ويبدأ ذلك بإعادة بناء القطاعات التصديرية، وفي مقدمتها الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والصناعات التحويلية، مع الانتقال من تصدير المواد الخام إلى زيادة القيمة المضافة محلياً.فبدلاً من تصدير محصول خام، ينبغي تطوير الصناعات الغذائية والتحويلية المرتبطة به. وبدلاً من تصدير الثروة الحيوانية في صورتها الأولية، ينبغي توسيع الصناعات المرتبطة باللحوم والجلود وغيرها. وكذلك ينبغي تطوير قطاع التعدين بما يزيد القيمة التي تعود إلى الاقتصاد الوطني.كل ذلك يعني أن استقرار الجنيه يبدأ من الحقول والمصانع والمناجم والموانئ قبل أن يبدأ من البنك المركزي.
ضبط المالية العامة شرط لا غنى عنه
ولا يمكن لسياسة نقدية مهما بلغت كفاءتها أن تحقق استقراراً دائماً في ظل اختلال مالي مزمن.لذلك فإن الإصلاح النقدي يجب أن يسير بالتوازي مع إصلاح المالية العامة، وترشيد الإنفاق، وتوسيع الإيرادات الحقيقية، وتحسين التحصيل، ومحاربة التهرب والتجنيب، وتقليل الاعتماد على التمويل التضخمي.كما ينبغي أن تتكامل السياسة النقدية والمالية بدلاً من أن تعمل كل واحدة منهما في اتجاه مختلف. فالبنك المركزي لا يستطيع وحده الدفاع عن قيمة الجنيه إذا كانت السياسة المالية تضغط بصورة مستمرة على الكتلة النقدية والأسعار.
إعادة بناء الثقة هي المعركة الأكبر
في نهاية المطاف، سعر الصرف ليس رقماً فقط؛ إنه مؤشر على الثقة في الاقتصاد والدولة والمستقبل.ولذلك فإن استعادة الثقة في الجنيه تتطلب سياسة واضحة ومستقرة، ومعلومات شفافة، ومؤسسات مصرفية قوية، وقواعد معلنة للتعامل بالنقد الأجنبي، ومكافحة حقيقية للفساد والتهريب والمضاربة، إلى جانب تحسن ملموس في الإنتاج والصادرات.وإذا كان التدخل في سوق النقد الأجنبي ضرورياً في المرحلة الراهنة، فإنه ينبغي أن يكون جسراً إلى الاستقرار لا بديلاً عن الإصلاح.
من الدفاع عن الجنيه إلى بناء اقتصاد قوي
المطلوب اليوم ليس مجرد إيقاف ارتفاع الدولار ليوم أو أسبوع، وإنما بناء منظومة اقتصادية تجعل ارتفاعه غير قابل للتكرار بالسهولة نفسها.
وهذا يتطلب خطة مرحلية واضحة:
عاجلاً: توفير النقد الأجنبي للسلع الأساسية، ضبط السوق، تقليص المضاربات، ضمان حصائل الصادرات، مكافحة التهريب، وتنسيق كامل بين البنك المركزي والمصارف.
متوسطاً: إعادة تنشيط الإنتاج، توسيع الصادرات، إصلاح القطاع المصرفي، تحسين الإيرادات العامة، وتطوير أدوات السياسة النقدية والمالية.
استراتيجياً: إعادة بناء الاقتصاد على قاعدة الإنتاج والتصدير والقيمة المضافة، واستعادة القطاعات الزراعية والحيوانية والتعدينية والصناعية، وجذب الاستثمارات، وبناء احتياطيات حقيقية من النقد الأجنبي.
إن الجنيه السوداني لا يحتاج إلى مسكنات مؤقتة بقدر ما يحتاج إلى اقتصاد قوي يسنده. والبنك المركزي يستطيع أن يدير سوق الصرف، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع موارد البلاد. تلك مسؤولية منظومة اقتصادية كاملة تبدأ بالإنتاج وتنتهي بالسياسة النقدية.ومن هنا، فإن اجتماع بنك السودان المركزي مع المصارف التجارية ينبغي أن يكون بداية لمسار أوسع: مسار الانتقال من إدارة أزمة سعر الصرف إلى معالجة جذورها، ومن مطاردة الدولار إلى إنتاجه، ومن التدخل المؤقت إلى الاستقرار المستدام.فاستقرار الجنيه ليس غاية نقدية فحسب، بل هو شرط أساسي لاستقرار الأسعار، وحماية القوة الشرائية للمواطن، واستعادة عافية الاقتصاد السوداني، وفتح الطريق أمام التعافي وإعادة الإعمار.