
في ذكرى الرجل الزين
بُعْدٌ .. و .. مسَافة
مصطفى ابوالعزائم
*رحل صديقنا وزميلنا الصحفي المتميز الأستاذ زين العابدين أحمد محمد قبل نحو أربعة عشر عاماً، تحديداً 2012 م ، لكن مشهد لقائنا الأول مازال ماثلاً أمام ناظري، رغم مرور أكثر من خمسة أربعين عاماً على ذلك اللقاء.
*كنا وقتها شباباً لانرى في هذه الدنيا أهم من مهنة الصحافة، التي أحببناها، وحببها إلينا أكثر أستاذنا الكبير الراحل المقيم حسن ساتي- رحمه الله- والذي كان قد أكسبني ثقة كبيرة في نفسي، مثلما أكسب عدداً من الزملاء كان يسميهم ب (العشره الكرام).. وكان يثق في أحكامنا وتقديرنا للأمور، ودفع بي إلى عضوية مجلس التحرير، وعمري لم يتجاوز سنواته آنذاك الخامسة والعشرين، وقد كانت تجربة صحيفة (الأيام) الغراء في عهد رئاسة أستاذنا الراحل حسن ساتي، تجربة شبابية تستند على العلم والمهنية والقدرات الخاصة والرغبة في العمل.
*تجربة تشربت بخبرات شيوخ الصحافة وأساطينها الكبار.. فقد وجدنا أمامنا الأساتذة الأجلاء محمود الفضلي، وعابدين محجوب لقمان، ومحمد الخليفة طه الريفي.. الذي أدين له بفضل عظيم في تمليكه لي وغيري مفاتيح العمل الصحفي المرتبط بتنمية الحس والقدرات، والمرتبط بالمطبعة مباشرة.
*وكان في(أيامنا) تلك التي بدأنا فيها العمل، أساتذة كبار منهم أستاذنا أحمد عبد الحليم الذي كان رئيساً لمجلس الإدار في وقت من الأوقات، والدكتور إسماعيل الحاج موسي، والأستاذ بدر الدين سليمان، وأستاذنا الراحل عظيم الأدب والرقة والحياء أحمد جمال الدين، وقد ترأس تحرير(الأيام) قبل أستاذنا حسن ساتي الأستاذ الكبير إبراهيم عبد القيوم .. لكننا لم نتمدد ونطلق لأيدينا وأقلامنا وأخيلتنا العنان إلا في عهد أستاذنا حسن ساتي- رحمه الله- الذي أخذت أسماء بعضنا تلمع في عهده ، بينما زادت الأسماء اللامعة لمعاناً ، وضمت الكوكبة العاملة في الصحيفة آنذاك نجوماً في دنيا الصحافة .. من بينهم الأساتذة الدكتور محي الدين تيتاوي ، والدكتور مرتضى الغالي ، وأسامه سَيد عبدالعزيز ، وأحمدالبلال الطيب ، و عبدالقادر حافظ ، ونجيب نورالدين، وإبن الأبيض الوفي حسن الرضي، والصحفي الرياضي الوقور المحترم عمرعبد التام ، ونائبه في رئاسة القسم الرياضي وقتها ميرغني أبو شنب، وعبدالرحمن زروق ، والهاشمين، هاشم عثمان، وهاشم كرا، وعيسي الحلو، وعثمان عابدين، وكمال مصطفى، ويوسف عمر، وعبدالمنعم فرح، والسر حسن فضل، وغيرهم في التحرير .. والمكتب الفني والإدارة ، رحم الله من مضى منهم ، ومن بقي ورحمنا أجمعين.
*كان المرحوم حسن ساتي رجلاً مبدعاً، يفتح بابه وقلبه للجميع، ولكل من يرى فيه إضافة قد تتحقق للعمل، لذلك جاء برسامي الكاركتيرالراحلين صلاح أبا يزيد، وبدرالدين، وعزيز، ثم صلاح حمادة ، الذي قدمناه له فلم يتردد في قبوله.
*في تلك الأجواء، ومع حماسة الشباب والأمل العريض في التغيير الى الأفضل .. جاء إلى مكاتب صحيفة (الأيام) بالخرطوم قريباً من عمارة التبلدي، شاب طويل القامة ، ترتسم على وجهه إبتسامة إكتشفنا لاحقاً أنها جزء منه، وعرّفني بنفسه قائلاً : (أنا زين العابدين أحمد محمد بكتب الشعر، وبحب الصحافة، وعايز أتعاون معاكم) ثم مدَ يده بمجموعة من الأوراق حفلت بأخبار عن الوسط الفني، لا يتيسر الحصول عليها إلا لصحفي محترف، وصاحب شبكة واسعة من العلاقات في اوساط المطربين، والشعراء والعازفين والأوساط الفنية المختلفة.
*سعدتُ بالرجل والمادة الصحفية الثرة التي قدمها لي، وكنت وقتها أشرف على إدارة المنوعات، بل تجاوز إنفعالي حدود السعادة العادية، وكدت أطير من الفرح، وسابقت نفسي إلى مكتب رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير الأستاذ حسن ساتي، ونقلت له نبأ ذلك الكنز الصحفي الموهوب زين العابدين أحمد محمد .. كان ذلك هو المشهد الأول … ثم توالت المشاهد الى ماقبل مغادرته السودان لمواصلة علاجه في القاهرة بساعات، وقد إلتقينا بعدها مراراً وتكراراً في الخرطوم والقاهرة، وكنا على تواصل مستمر، لم ينقطع، وعندما غادر العندليب زيدان إبراهيم رحمه الله إلى القاهرة للعلاج، وكنت قد زرته في منزله بالحاج يوسف رفقة الفنان الرقيق صديق عباس، الذي جاءني في الصحيفة لوداع زيدان، وما كنا نعرف أنه الوداع الأخير.
*ظل الراحل زين العابدين أحمد محمد ، ملازماً للراحل زيدان حتى آخر لحظة في حياته، وكنا نتحدث إليه عن طريق الزين، ورحل زيدان، ولم يبق الزين بعده كثيراً .. دنيا … رحم الله الأخ والصديق والرفيق العزيز زين العابدين أحمد محمد رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .. والعزاء بالنسبة لكثير من أصدقائه وزملائه التواصل مع شقيقه الأصغر الدرامي المبدع صلاح وبقية من نعرف من أفراد الأسرة الكريمة.