آخر الأخبار

كيف تُسْرَقُ الطفولةُ على جبهات القتال؟

لمياء موسي

لم تبدأ حرب السودان بسؤالٍ عن الأطفال، لكنها سرعان ما جعلتهم أحد أكثر فصولها قسوة.. فمع اتساع رقعة القتال، وانهيار مؤسسات الدولة، ونزوح ملايين المدنيين، وجد الأطفال أنفسهم أمام خيارات لم يصنعوها: الفرار، الجوع، الانفصال عن أسرهم، أو الوقوع في أيدي الجماعات المسلحة التي قد تستخدمهم في الحرب.

*مع انشغال العالم بمتابعة المعارك التي امتدت إلى الخرطوم ودارفور وكردفان، كانت ظاهرة تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاع تتسع بعيدًا عن الأضواء.. هي ظاهرة لا ترتبط بالحرب التي اندلعت 2023 وحدها، إذ يمتلك السودان تاريخًا طويلًا من النزاعات المسلحة وانتشار السلاح وتعدد الجماعات المسلحة التي شهدت، على امتداد سنوات النزاع، ممارسات شملت تجنيد الأطفال واستخدامهم. غير أن اندلاع الحرب الحالية أعاد إنتاج هذه الظاهرة في سياق أشد فوضى، مما عمّق من قابلية الأطفال للتعرض للانتهاكات، ووسّع نطاق المخاطر التي تحيط بهم.

وبعد ثلاثة أعوام من استمرار الحرب، بات الثمن الذي يدفعه الأطفال أكثر فداحة، ومع دخولها عامها الرابع، لم يعد الأطفال يواجهون مخاطر القتل والإصابة والنزوح والجوع وحدها، بل أصبح بعضهم عرضة للتجنيد والاستخدام في الأعمال القتالية، بما يشكل انتهاكًا جسيمًا لحقوقهم الأساسية، ومخالفة للقواعد القانونية الدولية التي تقرر للأطفال حماية خاصة أثناء النزاعات المسلحة.. ولا تمثل هذه الممارسة سوى جانب واحد من منظومة أوسع من الانتهاكات التي طالت حقوق الأطفال في الحياة والأمان والتعليم والرعاية والحماية.

*عندما يُذكر مصطلح (الأطفال الجنود)، قد تنصرف الأذهان إلى طفلٍ يحمل بندقية ويشارك مباشرة في القتال، غير أن مفهوم الطفل المرتبط بالجماعات المسلحة، وفق التعريفات المعتمدة لدى الأمم المتحدة واليونيسف، أوسع من ذلك بكثير.. فقد يُستخدم الطفل مقاتلًا، أو حارسًا، أو رسولًا، أو جاسوسًا، أو طباخًا، أو حمّالًا، أو في أي دور آخر يخدم الجماعة أو الميليشيا المسلحة.

*ومن منظور القانون الدولي، لا يفقد الطفل صفته كضحية لمجرد ارتباطه بجماعة مسلحة، ولا يُعامل قانونًا باعتباره مقاتلًا بالغًا بالمعنى المعتاد.. فحماية الأطفال أثناء النزاعات المسلحة تقوم، في جوهرها، على منع تجنيدهم أو استخدامهم بأي صورة من الصور، وصونهم من الاستغلال الذي يحول طفولتهم إلى أداة في الصراع.

*ويكتسب هذا الحظر بعدًا جنائيًا متى توافرت الشروط التي يحددها القانون الدولي الجنائي، بما يرتب المسؤولية الجنائية على من يرتكبها أو يأمر بها أو يساهم فيها وفق القواعد القانونية ذات الصلة.

*منذ اندلاع الحرب عام 2023، تصاعدت التقارير الدولية بشأن تجنيد الأطفال واستخدامهم، ولا سيما في دارفور وكردفان والجزيرة.. وقد جعل النزوح، والانفصال عن الأسرة، والفقر، وانهيار شبكات الحماية، الأطفال أكثر عرضة للاختطاف والإكراه والاستدراج، بما في ذلك إغراؤهم بالمال أو الغذاء أو الحماية.. وقد وثقت الأمم المتحدة استمرار هذه الممارسة خلال عام 2025، فيما وثقت هيومن رايتس ووتش شهادات عن أطفال يحملون السلاح ويؤدون أدوارًا قتالية في الجنينة، غرب دارفور.. وأفادت في تقرير صدر عام 2026، بأن مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان رصد خلال النصف الأول من عام 2025 حملات تجنيد واسعة للأطفال من قبل الجماعات المسلحة، وفي يوليو 2026، قدم تحقيق لوكالة (أسوشيتد برس) شهادات مباشرة لأطفال سابقين قالوا إنهم جُنّدوا قسرًا واستخدموا في القتال، ودُرّب بعضهم على استخدام المدفعية والأسلحة الثقيلة، وتعرضوا للضرب والتعذيب عند رفض تنفيذ الأوامر.

وإلى جانب ذلك، حذرت اليونيسف من أن أكثر من 16 مليون طفل سوداني بحاجة ماسة إلى المساعدة، فيما ظل نحو ١٧ مليون طفل خارج المدرسة لمدة عامين.. وبينما يواجه هؤلاء الأطفال يوميًا مخاطر القتل والتشويه والنزوح والاستغلال، فقد تحولت المدرسة، التي يفترض أن تكون إحدى أهم دوائر الحماية، إلى ضحية أخرى للحرب.

وتتصدر دارفور معظم البيانات المتعلقة بتجنيد الأطفال، وهو أمر لا يمكن فصله عن تاريخ المنطقة الطويل مع النزاعات المسلحة، والتعبئة القبلية، وانتشار السلاح.. ومع ذلك، لا يزال من المتعذر تحديد رقم موثوق لعدد الأطفال الذين جرى تجنيدهم منذ اندلاع الحرب؛ فالبيانات التي تمكنت الأمم المتحدة من التحقق منها لا تمثل بالضرورة الحجم الحقيقي للظاهرة، في ظل صعوبة الوصول إلى مناطق واسعة، وانفصال الأطفال عن أسرهم، وخوف الناجين والشهود من الانتقام، ومحدودية قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى المناطق المحاصرة أو الخاضعة للجماعات المسلحة.

*وهنا تكمن إحدى أكبر مشكلات التعامل مع الظاهرة: غياب الرقم لا يعني غياب الظاهرة.. فالحرب نفسها تخلق ظروفًا تجعل عملية التوثيق أكثر صعوبة، ولذلك فإن الأرقام التي يتم التحقق منها يجب أن تُفهم باعتبارها جزءًا من الصورة، لا بالضرورة الصورة الكاملة.

*ولا يمثل التجنيد سوى جانب من الانتهاكات التي تطال الأطفال؛ إذ تشمل كذلك العنف الجنسي والاختطاف والهجمات على المدارس والمستشفيات وحرمانهم من المساعدات الإنسانية.. كما تتعرض الفتيات أيضًا لمخاطر التجنيد والاستغلال في أدوار قتالية وغير قتالية، إلى جانب العنف الجنسي والزواج القسري.

*وتكمن كذلك خطورة الظاهرة في أنها لا تعكس مجرد انتهاك منفرد لقواعد حماية الأطفال أثناء النزاع، بل انهيارًا لمنظومة الحماية برمتها؛ فحين تتفكك الأسرة، وتتوقف المدرسة، وتتراجع الخدمات الصحية والاجتماعية، يصبح الطفل أكثر هشاشة وأقل قدرة على الإفلات من الاستغلال.. ومن ثم، فإن تجنيد الأطفال في السودان من قبل الجماعات المسلحة هو في آن واحد انتهاك للقانون الدولي الإنساني ونتيجة مباشرة للبيئة التي أوجدتها الحرب

*ويصعب تحديد المسؤولية بصورة منفصلة عن طبيعة النزاع وتعقيداته، كما يصعب الجزم بالمسؤولية عن أي انتهاك دون الاستناد إلى أدلة موثوقة وعمليات تحقيق مستقلة ودقيقة.. لذلك، فإن أي معالجة جدية للظاهرة لا بد أن ترتبط بالتحقق من الوقائع والانتهاكات، وتحديد المسؤوليات عنها على أساس الأدلة، ومساءلة من تثبت مسؤوليته، وفق ما يقتضيه القانون الدولي.

وتتجاوز آثار التجنيد مجرد استخدام الطفل في الأعمال العدائية؛ فهو ينتزع منه سنوات التكوين الأهم في حياته: المدرسة، والأسرة، والأمان، والقدرة على بناء علاقات طبيعية، وأحيانًا حتى القدرة على تصور مستقبل لا تحكمه الحرب.. ومن هنا، فإن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تختزل في نزع السلاح من الطفل أو إخراجه من صفوف الجماعات المسلحة، بل تقتضي إعادة بناء البيئة التي حُرم منها أصلًا؛ بإعادته إلى التعليم، ولمّ شمله بأسرته، وتوفير الحماية والرعاية النفسية والاجتماعية، وضمان عدم تعرضه مجددًا للتجنيد أو الاستغلال. فالطفل المجند ليس مجرد حامل سلاح يجب نزعه منه، وإنما ضحية لانهيار منظومة حماية كاملة، ولا تستقيم حمايته إلا بإعادة بناء تلك المنظومة.

*ومن ثم تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية تتمثل في معالجة الآثار التي خلفتها تجربة الاستغلال المسلح.. فقد يخرج الطفل حاملاً إصابات جسدية واضطرابات نفسية عميقة، ومثقلًا بذكريات العنف والقتل التي عاشها أو أُجبر على المشاركة فيها، فضلًا عن فقدانه سنوات من التعليم وما يترتب على ذلك من صعوبة في استئناف دراسته والعودة إلى بيئته الطبيعية، بما يخلّف آثارًا قد تمتد إلى مراحل لاحقة من حياته.

 

*إلى جانب صعوبة إعادة الطفل إلى مجتمعه عندما يواجه الوصم الاجتماعي أو الرفض الأسري، فقد ينظر إليه أفراد المجتمع باعتباره مقاتلًا، في حين أنه ضحية، ويؤدي هذا التصور إلى تعميق عزلته، ويحد من قدرته على استعادة حياته الطبيعية، كما قد يعرضه لخطر الاستغلال مجددًا.

*إن إعادة الطفل إلى أسرته لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها نهاية لعملية الحماية، وإنما بوصفها بداية لمسار متكامل لإعادة التأهيل والإدماج. ويقتضي هذا المسار توفير البيئة الآمنة، بجانب الرعاية الصحية، والدعم النفسي والاجتماعي المتخصص، والعمل على لمّ شمل الأسرة، وضمان استئناف التعليم، وحمايته من أي صورة من صور الاستغلال.

*وتتخذ عملية إعادة إدماج الفتيات أبعادًا أكثر تعقيدًا في الحالات التي تعرضن فيها للعنف الجنسي أو الحمل الناتج عن الاغتصاب، إذ قد تواجه الفتاة، إلى جانب الآثار النفسية والجسدية المباشرة، أشكالًا إضافية من الوصم والرفض الأسري والمجتمعي. ولذلك تتطلب حمايتهن استجابة متخصصة تراعي خصوصية التجربة التي مررن بها، وتكفل لهن الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية، وتحميهن من التمييز والاستغلال، وتوفر لهن الظروف اللازمة لاستعادة حياتهن وحقوقهن على نحو يحفظ كرامتهن ومصلحتهن الفضلى.

وفي الختام، الطفل في حرب السودان لم يعد ضحية للقتال فحسب؛ بل أصبح، في بعض الحالات، أداةً فيه، وهو ما يجعل حمايته جزءًا لا يتجزأ من حماية المدنيين وإنفاذ قواعد القانون الدولي الإنساني ومساءلة مرتكبي الانتهاكات.

*ولهذا، فإن حمايته ليست قضية تُرحّل إلى ما بعد الحرب، ولا ملفًا يمكن تأجيله حتى يحلّ السلام؛ بل هي جزء أصيل من السلام ذاته، وأحد شروط استدامته.. فالسودان لن يستطيع أن يبني مستقبلًا مستقرًا إذا خرج من الحرب جيل كامل يحمل آثارها في ذاكرته وجسده وتعليمه وعلاقته بالمجتمع. ولعل السؤال الأعمق هنا ليس: كم طفلًا حمل السلاح؟ بل: كم طفلًا سلبت منه الحرب حقه في أن يعيش طفولته؟

كاتبة مصرية مقيمة بلندن