الجنينة… أزفت ساعة الإستعادة
- إستعادة ( داراندوكة) رد اعتبار لقبيلة المساليت التي اغتالتها الملشيا مرات ومرات
- علي انجمينا وبانقي قراءة الواقع الجديد
- إستعادة الجنينة الوشيكة تضع تماهي مدن زالنجي ونيالا والضعين مع المليشيا في كف عفريت
تقرير د. إبراهيم حسن ذوالنون:
حين تواترت الأنباء أن الجيش والقوات المشتركة قد استردا واستعادا محليتي جبل مون (صليعة) وكلبس وهوالطريق إلى محلية سربا كل العارفين بطبيعة هذا الجزء من ولاية غرب دارفور ايقنوا أن الدخول لحاضرة ولاية غرب دارفور الجنينة
قد بات وشيكا وهاهي أنباء أول أمس السبت قد أشارت إلى أن الجيش والقوات المشتركة قد وصلا إلى منطقتي (بئر ام سليبة) و(ابوسروج) وهذه الأخيرة والتي تقع في محلية سربا تبعد فقط من مدينة الجنينة مسافة 35 كليومتر مما يعني أن استعادة (داراندوكة) أصبحت مسألة وقت وأنها قد باتت وشيكة أو قاب قوسين أو ادنى.
(1)

وفي تقدير الكثير من المراقبين ان الاستعادة المتوقعة لمدينة الجنينة التي يطلق عليها (دار اندوكة) الاسم التاريخي الذي ارتبط بسلطان عموم دار المساليت الأب المؤسس بحرالدين للسلطنة والذي خاض معارك كثيرة من أهمها معركة (دورتي)التي حقق فيها أهل دارمساليت الانتصار على الكونيل مول الفرنسي في 9نوفمبر1910م) وفيها رد إعتبار لرمزية هذه المدينة التي اغتالتها المليشيا المتمردة أكثر من مرة في أحداث تكررت بشكل مستمر والتي يتوهم فيها البعض أنها أحداث بين مزارعين (مساليت) ورعاة من القبائل العربية الذين
يشاركون أهل الأرض (السلطنة )السكن ولكن الناظر لأحداث الجنينة واردامتا في يونيو 2023م والطريقة التي غدر فيها على الوالي الشهيد المرحوم خميس عبدالله أبكرحيث تم اعتقاله ثم اغتياله بصورة مهينة بالصورة التي شهدها العالم وتفرج عليها مما حدا بالسلطان سعد عبدالرحمن بحر الدين أن يتواصل مع الحكومة الاتحادية لاستدراك أبعاد المؤامرة ليس على قبيلة المساليت الذين قتل منهم أكثر من عشرة آلاف شخص وفي بعض الروايات أكثر من ذلك بخلاف الذين تم تهجيرهم قسريا من المدينة والمدن الاخرى والقرى والبلدات الاخرى حيث تكاملت الأدوار التي قام بها السلطان سعد عبد الرحمن بحر الدين مع الادوار الرسمية التي قامت بها الأجهزة الدبلوماسية والقانونية حيث تم اطلاع المحيط العربي والافريقي والدولي بابعاد الجرائم ضد الانسانية والابادة الجماعية التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع ولعل الاحاطات التي قدمتها المندوبية الدائمة للسودان بالأمم المتحدة ب(نيويورك) في هذا الصدد قد قدمت للعالم وللأمم المتحدة ولمجلس الأمن الدولي ومجلس حقوق الإنسان بجنيف كل مظاهر وابعاد ما حدث في مدينة الجنينة وكل الادلة الموثقة والقرائن المعززة لها وقد وضعت العالم أمام المسئوليات الاخلاقية والقيمية والقانونية لاتخاذ التدابير التي تعاقب هذه المليشيا على ما ارتكبت ولعل مخاطبة السلطان سعد عبدالرحمن بحر الدين سلطان عموم دار مساليت قد اسمعت العالم ليس صوت أهل الجنينةالمنكوبة فحسب بل صوت كل المدن والقرى والبلدات السودانية بكل ابعاد ما حدث وما يحدث في السودان جراء الانتهاكات التي ارتكبتها المليشيا المتمردة في السودان والسودانيين المسنودة والمدعومة من دولة الامارات العربية المتحدة.
(2)

الاستعادة الوشيكة لمدينة الجنينة أكدتها تصريحات والي ولاية غرب دارفور السيد بحر الدين آدم كرامة أول أمس السبت لموقع الجزيرة نت الاخباري والتي أكد فيها استعادة مدينة الجنينة من مليشيا الدعم السريع المتمردة تمثل هدفا استراتيجيا وأن كل التحركات الجارية تصب في اتجاه بسط سلطة الدولة وتأمين المدنيين وأضاف انه لايمكن القبول باستمرار هذا الواقع الذي يقع خارج سلطة الدولة مؤكدا ان التحدي الاكبر يتمثل في حماية المدنيين والحفاظ على ما تبقى من البنيات التحتية لهذه المدينة المفصلية المهمة ليس لاقليم دارفور والسودان فحسب بل لكل دول الاقليم المحيطة بالسودان.. وحديث السيد والي ولاية غرب دارفور يعزز ما أكده عدد من الخبراء الاستراتيجين والعسكريين أن واقع الحال في دارفور يشير إلى قرب ساعة الاسترداد التي ازفت حيث أن كل الشواهد الصور تشيرإلى أن الاستعدادات قد اكتملت وأن ساعة استعادة الجنينة قد أزفت والذين أضافوا أن استعادة مدينة الجنينة لها الكثير من الأهمية والابعاد الاستراتيجية.
(3)
ويقول المراقبون إن الاستعادة الوشيكة لمدينة الجنينة والتي سبقتها استعادة مدينتي صليعة (جبل مون)وكلبس ومنطقتي (بئرسليبة) و(ابوسروج) الواقعتين في محيط مدينة سربا احدى محليات ولاية غرب دارفور تعني ان المجموعات السكانية التي تقطن المنطقة والتي تضررت من المليشيا تاريخيا وانيا خلال الحرب الماثلة وهي قبائل الارنقا والمسيرية جبل والقمر وهي المكونات الرئيسية لسلطنة عموم دارمساليت ستسترد عافيتها إذ ظلت تتعايش وتتساكن مع كل مكونات السلطنة بل جزء أصيل منها وتلعب أدوارا مهمة في رتق النسيج الاجتماعي وتعزيز المصالحات المجتمعية كما كانت تمثل معادلا مهما في تماسك مكونات السلطنة إلا أنها تأثرت تأثيرا بالغا بما اقترفته المليشيا من انتهاكات واضحة إذ اعتبرتها جزءا من قبيلة المساليت وتعاملت معها معاملة العدو حيث مارست في حقها كل الانتهاكات الجسيمة في حق المواطنين المدنيين العزل
كالقتل والتشريد وتهجير العديد من القرى والبلدات خاصة في محلية جبل مون (صليعة) وهي غنية بثروات معادن باطن الأرض وتعتبر المليشيا مناطق جبل مون جبل عامر 2
(4)

من الضروري أن نجمل القول عن الاستعادة الوشيكة لمدينة الجنينة لها ابعادا بالغة الاهمية بل واستراتيجية في كل الأصعدة:
فعلي الصعيد العسكري الاستعادة تعني قطع طرق الامداد الغربية التي تمثل للمليشيا المنفذ الاقوى والاقرب للعبور إلى داخل السودان عبر الطرق الصحراوية حيث تمثل الجنينة الواقعة على تخوم الحدود بين السودان وتشاد والتي تبعد عن أهم معبر (ادري) مسافة 24 كيلومتر فقط.. فالاستعادة تعني توقف تمرير كل الامدادات العسكرية واللوجستية عبر معبري( ادري) و(ادكونغ).)
كما تعني الاستعادة لمدينة الجنينة تهديد مباشرا لمعاقل المليشيا الاخرى في مدن نيالا وزالنجي والضعين مما سيضعف قدرتها على المناورة علاوة على ان حالة التشظي التي لازمت الحواضن الاجتماعية المتماهية مع المليشيا في تلك الانحاء وقد سمع الجميع اللايفات التي تتحدث فيها قيادات وسيطة عن حالة عدم الانسجام بينها وبين قيادات المليشيا من خشم بيت الماهرية الذين لم يمارسوا التضييق على القبائل المتماهية معها فحسب بل حتى على القبيلة الأم للمليشيا (قبيلة الرزيقات) والتي لم يسلم من تجاوزاتها حتى اقرب الاقربين من ناظر عموم قبيلة الرزيقات محمود موسى مادبو والذي تعرض منزله (المنزل التاريخي للنظارة) بمدينة الضعين حيث تم تفتيشه وإطلاق النار على بعض سكانه من أبناء عمومة الناظر بدعوى انهم (فلول)و(كيزان)
(5)
كما تعني استعادة مدينة الجنينة من الناحية الاستراتيجية ربط مناطق السيطرة الممتدة للجيش السوداني من تخوم مدينة الطينة الحدودية مع تشاد حتى مدينة الجنينة على تخوم مقاطعة ادري ويعني ذلك أن الجيش والقوات المشتركة قد احكموا تماما السيطرة على المحور المحور الشمالي الغربي من الحدود مع دولة تشاد كما تمثل استعادة مدينة الجنينة انهاء حالة اللجئو التي لازمت اكثر من نصف سكان المدينة الذين عبروا راجلين الحدود إلى مقاطعتي ادري وابشي وعاشوا اوضاعا صحية وماسوية وغذائية وتعني عودتهم إلى المدينة عودة الحياة إلى دورة الاقتصاد التقليدي لولاية غرب دارفور إذ أن أكثر من ثلثي سكان مدينة الجنينة وضواحيها مزارعون منتجون يرفدون
الولاية بالذرة والدخن والخضروات والفواكه والمحاصيل الاخرى ويسهمون في حركة التجارة الحدودية بين السودان وتشاد وافريقيا الوسطى..كما تمثل استعادة الجنينة من اعادة اعمار المدينة والتي تدمرت بنياتها التحتية في مرافق المياه والكهرباء والمؤسسات الصحية والمؤسسات التعليمية وعلى راسها جامعة الجنينة المنارة الاكبر لحركة الاستنارة والتفاعل مع قضايا المجتمع من خلال كل كلياتها كما ستسهم العودة في اعادة ترتيب النسيج الاجتماعي بين كل مكونات المجتمع وستسهم الاستعادة في تحقيق العدالة الجنائية وذلك بتمكين لجان التحقيق وتقصي الحقائق الوطنية والاقليمية والدولية من استكمال اعمالها القانونية التي من أهم مطلوباتها عدم افلات الجناة من قيادات المليشيا من العقاب فضلا عن تقديم المزيد من الادلة التي ستمكن أجهزة انفاذ القانون من الاضطلاع بادوارها حتى تتطبع الحياة المدنية بالمدينة.
عموما إن استعادة مدينة الجنينة لاينتهي عند ولاية غرب دارفور فحسب بل يمتد إلى ان يكون مفتاحا لاجتثاث المليشيا تماما وتشكيل ملامح خارطة جديدة لسودان ما بعد الحرب
(6)
لعل استعادة مدينة الجنينة لها ابعاد اخرى لاسيما في محور دول الجوار السوداني على المحور الغربي خاصة مع الجارتين تشاد وافريقيا الوسطى فالجنية تمثل عمقا استراتيجيا سياسيا وامنيا واقتصاديا واجتماعيا لهاتين الدولتين اللتين بالقطع أن أي تحولات في مسارات الحرب لاسيما في اقليم دارفور إذا ما استكمل الجيش مسيرة قطع تمدد المليشيا واجتثاثها فإن ذلك يعني لانجمينا وبانقي قراءة الواقع الجديد الذي ستفرضه استعادة مدينة الجنينة بعمقها الاستراتيجي لاسيما ان القاصي والداني يعلم الادوار التي لعبتها تشاد وافريقيا الوسطى إلى حد ما في إطالة أمد الحرب الماثلة حيث كانتا منطلقا لكل عمليات الامدادات العسكرية واللوجستية ومعبرا لدخول المرتزقة المشاركين مع المليشيا في الحرب الماثلة وذلك يعني أن أي قراءة خاطئة للواقع الجديد ربما يعصف بل يحدث اختراقات في انجمينا وبانقي لأن النظامين الحاكمين في تشاد وافريقيا ربما تعصف بهما عواصف المتغيرات التي ستحدث بعد استكمال الجيش عمليات إقصاء المليشيا تماما ذلك أن الشعبين التشادي والافريقي أوسطى سوف لن يحتملا نظامين لا يجيدان القراءة الصحيحة للأحداث من حولهما.
(7)

في تقديري أن استعادة (داراندوكة) (الجنينة) لا يمثل استعادة لولاية غرب دارفور ولا لاقليم دارفور فحسب بل هو استعادة للدولة السودانية التي حاولت المليشيا استهدافها بهذه الحرب الماثلة ولكن لم تستطع ان تصل لها لصمود الشعب السوداني والجيش السوداني والمتستنفرين البواسل الذين قدموا أرواحهم رخيصة من أجل أن يبقى الوطن شامخا منتصرا وكأننا بالشاعر المجيد محمد مفتاح الفيتوري قد عاد بيننا الآن ليعيد تاريخ (داراندوكة) والذي قال:
يا شرفة التاريخ يا راية منسوجة
من شموخ النساء وكبرياء الرجال.