
السودان.. معركة التقارير
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
*تتوزع الحرب الحديثة على ساحات متعددة، تمتد من ميدان القتال إلى أروقة المؤسسات الدولية ومنصات الإعلام ودوائر القانون والدبلوماسية. وفي هذه المساحات تتشكل توصيفات للوقائع والمسؤوليات، وتُبنى سرديات عن الحرب وأطرافها، ثم تتراكم في التقارير والتحقيقات والوثائق حتى تصبح جزءاً من الطريقة التي ينظر بها العالم إلى الصراع، وقد تجد طريقها لاحقاً إلى العقوبات والقرارات والمواقف السياسية وملفات المساءلة.. والسودان يقف اليوم أمام هذا المستوى من الحرب بصورة يصعب تجاهلها.
*فخلال فترة متقاربة، برز تقرير بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، ورشحت معلومات مهمة عن تقرير فريق الخبراء المعني بالسودان ودارفور، ثم جاء التحقيق الصحفي الذي نشرته صحيفة (نيويورك تايمز) بشأن اتهامات باستخدام القوات المسلحة السودانية أسلحة كيميائية، بالتزامن مع تحقيق آخر نشرته (واشنطن بوست) في القضية نفسها.. هذه المواد مختلفة في طبيعتها ومصادرها ووزنها القانوني؛ ومن الخطأ وضعها جميعاً في سلة واحدة.. تقرير صادر عن آلية أممية ليس كتحقيق صحفي، والمعلومة الاستخبارية ليست دليلاً قضائياً بمجرد نشرها، والاستنتاج الحقوقي له معايير تختلف عن الإثبات أمام المحاكم.. لكن الخطأ المقابل هو التعامل معها باعتبارها أخباراً عابرة يمكن الرد عليها ببيان ثم الانتقال إلى غيرها فهذه، في مجموعها، معركة قانونية ودبلوماسية ومعلوماتية موازية للمعركة العسكرية.
*وخطورة هذه المعركة أن التقارير لا تعيش منفردة؛ فالمعلومة التي ترد اليوم في تقرير حقوقي قد تنتقل غداً إلى وثيقة أممية، ومنها إلى مداولات مجلس الأمن، أو إلى قرار عقوبات، أو ملف قضائي، أو موقف تتبناه دولة في علاقاتها مع السودان. ومع تكرار الاستشهاد بها تتحول بعض الاستنتاجات، صحيحة كانت أم ناقصة، إلى مرجعيات مستقرة يصعب تفكيكها بعد ذلك.. ولذلك فإن معركة التقرير تبدأ قبل كتابته، ولا تنتهي عند نشره.
*تقرير بعثة تقصي الحقائق يقدم مثالاً واضحاً فهو يتناول الانتهاكات التي شهدتها الحرب، ويشير إلى أدوار الإسناد الخارجي وشبكات التسليح والمرتزقة والتقنيات العسكرية المتقدمة، وفي الوقت نفسه يضع القوات المسلحة والدعم السريع في مواضع متعددة داخل إطار واحد للمساءلة عن الانتهاكات.. وهنا تظهر واحدة من أهم الإشكاليات التي ينبغي للدولة السودانية أن تتعامل معها قانونياً ودبلوماسياً: التمييز بين القوات المسلحة باعتبارها مؤسسة رسمية للدولة تخضع لقواعد القانون الدولي والتزامات الدولة، وبين قوة مسلحة تمردت على مؤسساتها؛ مع التأكيد في الوقت نفسه أن الصفة الرسمية لا تمنح حصانة من التحقيق في أي انتهاك يثبت ارتكابه.
*أما تقرير فريق الخبراء المعني بالسودان، فإن أهميته تتجاوز رصد العمليات العسكرية في دارفور.. المعلومات التي رشحت عنه تذهب إلى شبكات الإمداد والتمويل والتسليح، وحركة الطائرات، والمرتزقة الأجانب، والمسارات العابرة للحدود التي أسهمت في استمرار قدرة الدعم السريع على القتال.. وهذه مادة شديدة الأهمية للسودان، لأنها تنقل قضية التدخل الخارجي من الخطاب السياسي إلى مجال يمكن توثيقه فنياً وقانونياً وربطه بنظام العقوبات وحظر السلاح المفروض على دارفور.. ثم يأتي ملف الأسلحة الكيميائية، وهو الأخطر من حيث طبيعة الاتهام.
*ما نشرته (نيويورك تايمز)، وما تزامن معه من تحقيق لـ(واشنطن بوست)، يتضمن مزاعم شديدة الخطورة تتصل بتطوير وإنتاج واستخدام ذخائر قيل إنها تعتمد على الكلور، مستنداً إلى وثائق وتسجيلات ومواد قيل إنها حصلت عليها جهات استخبارية.. وقد نفت القوات المسلحة السودانية هذه الاتهامات.. وهنا تحديداً لا يكفي النفي السياسي وحده، كما لا يجوز اعتبار ما نشرته الصحافة حكماً قضائياً أو إثباتاً نهائياً للوقائع.. الاتهام باستخدام سلاح كيميائي يمس التزامات السودان الدولية وسمعة مؤسساته العسكرية وعلاقاته الخارجية، وقد تترتب عليه عقوبات وآثار قانونية وسياسية طويلة المدى.. ولذلك ينبغي أن يكون الرد في مستوى الاتهام: قانونياً، وفنياً، وموثقاً، ومسنوداً بخبراء في الأسلحة الكيميائية والقانون الدولي، وبالتعامل المؤسسي مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والآليات الدولية المختصة.. فالاتهامات بهذه الخطورة لا تُدحض بالشعارات، كما أنها لا تثبت بمجرد النشر؛ الفيصل فيها هو الدليل القابل للفحص والتحقق وفق المعايير القانونية والفنية المعتمدة.. وهنا نصل إلى أصل المشكلة السودان يحتاج إلى الانتقال من سياسة الرد على التقارير إلى سياسة إدارة ملف التقارير.
*فالدولة التي تنتظر صدور التقرير حتى تكتشف ما يحتويه تبدأ المعركة متأخرة.. والمطلوب في تقديري إنشاء (وحدة وطنية للتوثيق والاستجابة القانونية الدولية)، تعمل بصورة دائمة ولا ترتبط بأزمة أو تقرير بعينه، وتضم ممثلين وخبراء من الخارجية والعدل والمؤسسات العسكرية والأمنية والجهات المختصة بحقوق الإنسان والقانون الدولي والتوثيق والإعلام
ولا ينبغي أن تكون هذه الوحدة لجنة تنسيقية موسمية، وإنما غرفة عمل وطنية محترفة تتابع ما يُعد عن السودان منذ مرحلة جمع المعلومات، وتتواصل مع لجان التحقيق وفرق الخبراء والمنظمات الدولية، وتقدم الوثائق والأدلة، وتراجع الادعاءات، وتصحح المعلومات غير الدقيقة قبل تحولها إلى استنتاجات مستقرة في الوثائق الدولية، ثم تتابع ما يترتب على تلك الوثائق بعد صدورها قانونياً ودبلوماسياً وسياسياً وإعلامياً
*ويحتاج السودان، بالتوازي، إلى بناء أرشيف وطني احترافي للحرب وقاعدة بيانات مركزية تحفظ صور الأقمار الصناعية، ومسارات الطيران والإمداد، وأرقام الأسلحة والذخائر المضبوطة، وشهادات الضحايا، وحركة المرتزقة، والبيانات المالية، واستهداف المستشفيات ومحطات الكهرباء والمياه والمنشآت المدنية، وكل ما يمكن أن يتحول من رواية سياسية إلى دليل قابل للفحص والإسناد القانوني.. فالفارق كبير بين أن تقول الدولة إن تدخلاً خارجياً وقع، وبين أن تضع أمام جهة دولية مسار طائرة، ورقم شحنة، وصورة قمر صناعي، وشهادة موثقة، وتسلسلاً زمنياً يمكن التحقق منه.
*والتواصل المهني مع المؤسسات الدولية يمثل في ذاته إحدى أدوات حماية السيادة؛ فالدولة الواثقة من ملفها تدخل هذه المؤسسات بأدلتها ومحاميها وخبرائها، وتجادل داخلها، وتطالب بتصحيح الأخطاء، وتستخدم ما يصدر عنها عندما يدعم قضيتها، وتعترض وفق الإجراءات القانونية عندما ترى انحرافاً أو نقصاً في المعلومات.. وهناك جانب آخر لا يقل أهمية: الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغاً.. فإذا غابت الدولة عن مساحات جمع المعلومات والتحقيق والتوثيق، حضرت فيها روايات أخرى، وقد تتحول بمرور الوقت وكثرة الاستشهاد بها إلى المادة التي تُبنى عليها التقديرات والمواقف.
*من يزود الباحثين بالمعلومات؟ من يتواصل مع الصحفيين الدوليين؟ من يقدم الخرائط والأرقام والشهادات والوثائق؟ ومن يترك فراغاً معلوماتياً يملؤه الآخرون بروايتهم؟
في الحروب الحديثة، من يصل إلى مؤسسة التحقيق قبل غيره، وبمعلومات أكثر تنظيماً وقابلية للتحقق، يمتلك أفضلية حقيقية في تشكيل السردية الدولية. ولهذا فإن الحضور المبكر والمهني للدولة لا يقل أهمية عن جودة ردها بعد صدور التقرير.
*ولهذا فإن التقارير الثلاثة، على اختلاف طبيعتها ودرجات حجيتها، تحمل رسالة ينبغي أن تُقرأ جيداً في الخرطوم: السودان يخوض اليوم حرباً في الميدان، لكنه يخوض بالتوازي حرباً على تعريف ما حدث في ذلك الميدان.. والانتصار العسكري، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده إذا خسر البلد معركة الوثيقة والرواية والتوصيف القانوني.. كما لا ينبغي للسودان أن يترك للآخرين وحدهم مهمة كتابة السجل الدولي لحربه؛ لأن المعركة في نهاية المطاف لن تكون فقط حول ما حدث، وإنما حول كيف سُجل ما حدث، ومن نُسبت إليه المسؤولية، وأي رواية ستبقى في الوثائق الدولية بعد أن تصمت المدافع فالدول تدافع عن حدودها بالجيوش، لكنها تدافع عن شرعيتها وحقوقها أيضاً بالوثيقة، والقانون، والدبلوماسية، والدليل.