آخر الأخبار

بين مناوي والواثق كمير… الحوار يبدأ قبل أن يبدأ

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

 

*ربما لم تبدأ لجنة تهيئة الحوار السوداني- السوداني تهيئة حوارها بعد، لكن الحوار حولها بدأ بالفعل.. وما دار بين حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، والدكتور الواثق كمير، عضو لجنة التهيئة، يكشف أن الطريق إلى الحوار قد يكون جزءاً من الحوار نفسه؛ لأن الأسئلة التي أثارها الطرفان تتصل مباشرة بمن يملك العملية السياسية، ومن يهيئ لها، وما حدود الدور الوطني والإقليمي والدولي فيها، وكيف يمكن إدارة حوار في بلد لا تزال الحرب تقسم جغرافيته وتعيد تشكيل واقعه السياسي والعسكري.

*مناوي انطلق من سؤال الاختصاص والملكية السياسية.. فالحوار السياسي، في تقديره، شأن التنظيمات والقوى السياسية، وليس مهمة شخصيات مستقلة.. وقد أوضح لاحقاً أن اعتراضه لا يتعلق بأهلية أعضاء اللجنة أو حقهم في الإسهام في التهيئة، وإنما بحدود الدور نفسه، وبما إذا كانت التهيئة ستظل تمهيداً للحوار أم تتحول، مع الوقت، إلى إدارة لمساره وتفاصيله.. وأضاف إلى ذلك بعداً آخر مهماً، حين رفض أن يكون الحوار معزولاً عن محيطه الإقليمي والدولي، ورأى ضرورة وجود دور خارجي للمراقبة والتسهيل وضمان تنفيذ المخرجات.. ثم طرح أخطر هواجسه: كيف يمكن إطلاق مسار للحوار بينما لا تزال أجزاء واسعة من البلاد خارج سيطرة الدولة؟ وهل يمكن أن يؤدي ذلك، ولو من غير قصد، إلى ظهور مسارات سياسية متوازية تعكس خرائط السيطرة العسكرية وتمهد لانقسام البلاد (بوضع اليد)؟

 

*هذه أسئلة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد اعتراض سياسي على اللجنة، ففي بعضها مخاوف حقيقية تستحق النقاش، خصوصاً في بلد أصبحت فيه الجغرافيا العسكرية شديدة الصلة بالجغرافيا السياسية.. لكن الواثق كمير أعاد النقاش إلى أصل المسألة: ما وظيفة اللجنة أصلاً؟..وفي رده على مناوي، حرص على التمييز بين لجنة تهيئة الحوار ومنبر الحوار نفسه. فاللجنة، وفق هذا الفهم، لا تدعي تمثيل القوى السياسية، ولا تريد أن تحل محلها، ولا تملك تفويضاً لتقرير مستقبل البلاد أو تحديد أطراف العملية السياسية وأجندتها. وظيفتها تسبق ذلك: فتح قنوات التشاور، والاستماع، وبحث شروط الحوار وضماناته ومعايير المشاركة فيه، وتهيئة البيئة التي تسمح بانعقاده.. وهنا تصبح المفارقة لافتة.

*فكثير مما طالب به مناوي من تهيئة للمناخ، وبناء للثقة، وضمانات، وانفتاح إقليمي ودولي، يقع تحديداً في المساحة التي تقول اللجنة إنها تريد العمل فيها.. وبذلك قد يكون الخلاف بين الطرفين، في جزء معتبر منه، خلافاً حول تعريف الوظيفة وحدودها قبل تقييم الأداء.. بل إن رد مناوي اللاحق على مقال الواثق ضيّق مساحة الخلاف أكثر، حين أوضح أنه لا يعترض على فكرة اللجنة ولا على دورها في التهيئة، وأن تحفظه الأساسي يتعلق باحتمال تجاوزها لاحقاً هذا الدور إلى إدارة الحوار نفسه، وبضرورة أن تسبق خطواتها مشاورات أوسع مع القوى السياسية والمدنية.

*لكن رد الواثق نفسه يفتح باباً مهماً للمساءلة.. فإذا كانت اللجنة لجنة تهيئة وليست منبراً للحوار، فإن نجاحها لن يُقاس بما تصدره من بيانات، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الأطراف التي تختلف معها قبل الأطراف التي ترحب بها؛ وبمدى قدرتها على إقناع القوى السياسية والمسلحة والمدنية بأنها تقف على مسافة تسمح لها بالاستماع إلى الجميع، دون أن تتحول إلى طرف إضافي في ساحة مزدحمة بالأطراف.

*ومن هنا تكتسب ملاحظة مناوي حول المناطق الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع أهميتها.. صحيح أن وجود لجنة للتهيئة لا يعني الاعتراف بسلطة موازية، ولا يقود تلقائياً إلى تقسيم البلاد، لكن واقع الحرب يفرض سؤالاً لا يمكن القفز فوقه: كيف يُصنع مسار وطني جامع بينما الجغرافيا نفسها موزعة بين سلطات الأمر الواقع؟.. وقد أوضح مناوي لاحقاً أن تحذيره لا ينطلق من اتهام اللجنة بالسعي إلى تقسيم البلاد أو الاعتراف بسلطة موازية، وإنما من الخشية من أن تستغل المليشيا والقوى الداعمة لها أي مسارات سياسية غير مكتملة لصناعة أمر واقع جديد؛ فالانقسامات السياسية والجغرافية لا تبدأ دائماً بقرار معلن بالتقسيم، وإنما قد تنشأ تدريجياً من تداخل السيطرة العسكرية مع الترتيبات السياسية، حتى يصبح المؤقت واقعاً يصعب تجاوزه.

*ومن هذه الزاوية، فإن تحذيرمناوي يستحق أن يؤخذ بجدية؛ فالحوار الذي يُراد له أن يحمي وحدة السودان ينبغي ألا ينتج، في طريقة انعقاده أو تحديد أطرافه، واقعاً سياسياً يكرس خرائط السيطرة التي صنعتها الحرب.. والإجابة عن هذا التحدي ينبغي ألا تكون بإنشاء حوارات على مقاس مناطق السيطرة، لأن ذلك يحمل بالفعل خطراً على وحدة المجال السياسي السوداني. المطلوب أن تبقى العملية، منذ التهيئة وحتى الحوار، قائمة على مبدأ السودان الواحد، وأن يكون اختلاف السيطرة العسكرية واقعاً تسعى العملية السياسية إلى تجاوزه، لا أساساً تُبنى عليه شرعيات سياسية جديدة.

 

*وفي المقابل، فإن البعد الإقليمي والدولي الذي تحدث عنه مناوي يحتاج إلى ضبط دقيق؛ فثمة فارق بين تدويل الحوار، وبين الاستفادة من الإسناد الإقليمي والدولي في تسهيله وضمان مخرجاته.. السودان يحتاج إلى هذا الإسناد حيث يكون ضرورياً، لكن ملكية الحوار ينبغي أن تبقى سودانية. فالفرق كبير بين عالم يساعد السودانيين على إنجاح حوارهم، وعالم يكتب لهم تسويتهم ثم يدعوهم للتوقيع عليها.. وتجارب السودان السابقة تمنحنا ما يكفي من الأسباب للتمييز بين الاثنين.

*ولعل أهم ما في هذا السجال أنه حدث في العلن وبالحجة السياسية.. مناوي طرح اعتراضاته، والواثق ناقشها ورد عليها، ثم عاد مناوي موضحاً مواضع اعتراضه، ومؤكداً ترحيبه بالحوار وتقديره للجنة، مع تمسكه بتحفظاته حول التهيئة وحدود الدور ومخاطر الأمر الواقع. وهكذا تحول السجال نفسه إلى نموذج مصغر لما ينبغي أن يحدث على نطاق أوسع: اعتراض، ورد، وتوضيح، ومساحات اتفاق تتسع، وأخرى للاختلاف تبقى مفتوحة للنقاش.. وهذه في ذاتها إشارة تستحق التوقف عندها؛ لأن الحوار الوطني الذي نبحث عنه لن يولد يوم افتتاح قاعة ووصول المدعوين وجلوسهم حول الطاولات. الحوار يبدأ عندما يصبح الاختلاف نفسه قابلاً للحوار بل ربما تكون هذه هي التهيئة الحقيقية التي يحتاجها السودان: أن تناقش القوى السياسية اللجنة، وأن تنفتح اللجنة على ملاحظات منتقديها، وأن يراجع كل طرف فهمه لموقف الآخر، وأن تُطرح منذ الآن أسئلة الاستقلال والتمثيل والملكية والضمانات والعلاقة بالخارج ووحدة البلاد، بدلاً من تأجيلها حتى تصبح أزمات داخل العملية نفسها.

*ولذلك قد يكون من المبكر القول إن الحوار السوداني- السوداني قد بدأ، لكن المؤكد أن الحوار حول الحوار قد بدأ.. وإذا أُدير هذا الاختلاف بعقل مفتوح، فقد تكون تلك بداية صحيحة؛ فالسودان الذي أنهكته حرب السلاح يحتاج، قبل كل شيء، إلى أن يعيد للكلمة مكانها في إدارة خلافاته، حتى لا يظل السلاح هو الوسيلة التي تُحسم بها اختلافات السياسة.