
جسور الوعي والذاكرة المشتركة.. نحو توافق وطني جامع
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
*تتجلى في المنعطفات التاريخية الحاكمة والظروف الاستثنائية التي تمر بها الأمم، الحاجة الملحة لإعادة هندسة المفاهيم وتوجيه البوصلة نحو الذات الوطنية الجامعة، متجاوزةً تداعيات الانقسام ومرارات الصراع. وفي هذا السياق المفصلي، يبرز الدور المحوري للثقافة، والفنون، والإعلام كأدوات استراتيجية لا غنى عنها لإعادة بناء النسيج الاجتماعي، وتحويل الاختلافات من أتون للصراع ومصدر للتشرذم إلى فرصة حقيقية للتفاهم والتكامل، واستعادة الذاكرة الوطنية المشتركة التي تسع الجميع بلا استثناء.
*لقد أكدت الرؤى الرسمية المطروحة أخيراً في أحد المحافل الثقافية بالعاصمة أم درمان، بحضور رفيع المستوى شمل قيادات سيادية وعسكرية ونخبة من المفكرين والكتاب والدراميين والإعلاميين، أن المرحلة الراهنة تستوجب بالضرورة استعادة القيمة العليا للحوار باعتباره السبيل الأوحد لبناء توافق وطني حقيقي يتجاوز الجراح والآلام. وقد جرى التأكيد بوضوح على أن دور المؤسسات الحكومية والجهات المعنية يقتصر على تهيئة المناخ الديمقراطي والبيئة المواتية للحوار، وتوفير الدعم اللوجستي والمادي للجان المختصة دون التدخل المباشر في موضوعات الحوار، أو فرض أجندات مسبقة عليه، أو الوصاية على مخرجاته.. إن هذا النهج يؤسس لحوار سوداني سوداني خالص، مفتوح أمام كافة مكونات الشعب، تلتقي فيه الرؤى وتتخالف في إطار الاحترام المتبادل، لتكون الغاية الكبرى هي الوصول إلى وطن لا خاسر فيه ولا منتصر بالمعنى الإقصائي، بل وطن ينتصر فيه الجميع للسلام والاستقرار.
*ولا شك أن قطاع الدراما والفنون والمسرح يقع على عاتقه عبء تاريخي وأخلاقي عظيم في هذه المرحلة؛ فالفن الحقيقي لا يكتفي بمجرد توصيف الواقع المؤلم أو اجترار الأحزان، بل يمتلك القدرة الفاعلة على إعادة صياغته وتغييره نحو الأفضل.. ويمكن للمسرح والدراما أن يتحولا إلى جسور متينة للتواصل الإنساني والفكري بين أبناء الوطن الواحد، ومنبراً للوعي المستنير، ومساحة آمنة للتعبير الصادق عن آمال الناس وآلامهم، بعيداً كل البعد عن خطابات الكراهية والعصبية والاستقطاب البغيض. ومن هنا، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه النخب والمثقفين ليس هو الانكفاء على الهويات الضيقة أو طرح التساؤلات الإقصائية المتعلقة بالانتماءات الشخصية، بل الانتقال إلى السؤال الأجدر والأكثر رحابة: “ماذا نستطيع أن نصنع معاً من أجل السودان وشعبه الأبي؟.
*إن بناء الدولة السودانية المنشودة التي تستوعب التعددية الثقافية والفكرية للمجتمع يتطلب تفكيرًا وطنياً واعياً ومسؤولاً، ونبذًا كاملاً لخطاب التفرقة، وترسيخاً لقيم الأمن المجتمعي عبر شراكة وطنية حقيقية وبناءة. كما أن تضافر الجهود وتقدير نضالات الآخرين ودعم المبادرات الوطنية يمثلان طوق نجاة في ظل الظروف القاسية التي يعاني منها الشعب السوداني.. وإلى جانب ذلك، تبرز الأهمية القصوى لتوثيق هذه المرحلة التاريخية المفصلية بكل تفاصيلها، بما في ذلك المعاناة الإنسانية وتضحيات القوات المسلحة والقوات المساندة لها في سبيل حماية الوطن وترابه.. إن التفاعل الإيجابي لقيادات الدولة مع الفعاليات الثقافية والفنية يعكس بوضوح جدية التوجه نحو إشراك القوى الناعمة في صناعة المستقبل، مما يؤكد أن الوعي الوطني هو الضمانة الحقيقية للعبور نحو سودان يسع الجميع، ويقوم على أساس المواطنة المتساوية والعدالة والتعايش السلمي المستدام.