
لوحة الحنين
صمت الكلام
فائزة إدريس
*الحنين مزيج من المشاعر الدفاقة، والذكريات الجميلة المنسابة، التي تصب في دواخل الفرد في بعض الأحيان، فتهيمن عليه موجة من الشد والجذب لأيام خلت، حيثما كانت تلك الأيام وماتحمله بين ثناياها.
*لا يقتصر الحنين على الماضي فقط الذي يطوف بذهن المرء ويكون فيه التفكير هو سيد الموقف في أشياء بعينها، ولكن هنالك العديد من الأشياء التي ترتبط في أذهان البعض من الناس بحنين لأشياء ما، لها وقع في نفوسهم، حيث هنالك تفاصيل ترتبط في الأذهان بذكرياتٍ لها أثر عميق في النفوس.
*في بعض الأحيان تترقرق الدموع في مآقي أحدهم حين سماعه لصوت آلة موسيقية تثير شجونه وحنينه، فيطلق العنان لدموعه، وهذا منتهي أوار الحنين، وقد تتملك الدهشة من يراه على تلك الحالة دون أن يدري سبباً لتلك الدموع الهطالة.
*لصوت المركبات وقع عميق في نفوس البعض، حيث تحلق به الذكريات إلي دفاتر الماضي في بعض الأحيان ويجرفه تيار الحنين المندفع بقوة في الوجدان، كصوت القطار واللوري وما إلى ذلك من أصوات شجية.
*صوت المطر يرجع بالبعض إلى بحر لاساحل له من الذكريات يصورها عقله الباطن، ليخرج منها مجموعة من الصور الملونة بأطياف قوس قزح أيام جميلة كان لهطول المطر فيها ورائحة الطين وبيوت الطين واطفال يلهون ويلعبون تحت زخات المطر أثر بالغ وذكرى مترعة بالروعة يعجز القلم عن وصفها.
*وهنا يطرق باب ذاكرتنا قول محمود درويش الفائق الروعة:”المطر يغسل المدينة، والذاكرة تغسل الروح.. في كل قطرة مطر، هناك رسالة من الماضي تخبرنا أننا ما زلنا ننتمي إلى أولئك الذين غادروا.
*لرائحة الورق تأثير عميق أيضاً في النفوس، فهو بوصلة تطوف بالذاكرة بمراحل متنوعة من سنوات وأيام قُيدت على مجلدات الحياة، ممهورة بتوقيع حنين بالغ و بمداد ماتحمله سطور وحروف وكلمات ماخُطّ على ذلك الورق.
*رائحة الهواء في الجو في بعض الأحيان ترسل رسائل لمن يقعون في حبهاًَ، وخير مثال لذلك رائحة الامتحانات التي تعود بذاكرة زمرة من الناس إلى سنوات من حلاوة النجاح.
*وتشق سفينة الحنين عباب ذكريات متفرقة لمراحل دراسية عايشها الناس بين فصولها الدراسية ومقاعدها ومعلميها ومدارسها، وزمالات تلك المراحل الدراسية وماتحمله في طياتها من عبير الإخاء وشذى المودة.
*إذاً الحنين كرة أرضية واسعة المجال، وبحر عميق يسبح فيه من كان يحمل في دواخله مشاعر أنسانية مزركشة بجمال الذكرى وعدم النسيان مهما طالت السنوات.
نهاية المداد:
لا تبحث عن الأنقياء في زحمة الحشود، الأنقياء هناك، في معتزلاتهم الجميلة
(دوستويفسكي)