آخر الأخبار

 الخرطوم التي رأيت وليس من رأى كمن سمع.. بطء الحكومة وحال المواطن

قبل المغيب

عبدالملك النعيم أحمد  

 

*كانت سانحة طيبة أن نتجول داخل ولاية الخرطوم بمدنها الثلاث الخرطوم وبحري وام درمان بأحيائها السكنية وبموؤسساتها الخدمية العامة والخاصة ونحن نشارك في ملتقى الإعلاميين والصحفيين بالخرطوم كأول لقاء إعلامي مميز بعد تحرير الخرطوم وعودة الحكومة والحياة لحاضرة البلاد التي دفعت ثمناً غالياً خلال هذه الحرب شأنها شأن ولاية الجزيرة بوسطها وشرقها وجنوبها فضلا عن ولاية سنار وإقليم دارفور بكامله والذي مازال تحت قبضة التمرد والمليشيا وحاكم الإقليم مني اركو مناوي مازال يتجول في أوروبا وبعض إفريقيا وبورتسودان ويكثر من الظهور الإعلامي والتصريحات ويزور الجيش في النيل الأزرق ولم تطأ قدماه حتى الآن أرض الإقليم الذي يفترض أنه حاكمه بل ولم يفتح له مكتباً بالقرب من إقليمه المحتل في الأبيض او كادوقلي أو أي مدينة محررة في الغرب ليكون قريباً من إقليمه ومواطنيه الذين مازالوا تحت تهديد المليشيا والمرتزقة وهذا موضوع جدير بالنقاش وسؤال مطروح وهو إلى متى سيحكم مناوي الإقليم عن طريق (الريموت وتقارير من هم في أرض المعركة)؟.

*عودة لجولتنا في ولاية الخرطوم والحديث ليس له علاقة بالعودة الى الديار من عدمها وانما شهادة صحفي واعلامي تجول داخل المدينة ورأى بأم عينيه وسمع من المواطنين عن معاناتهم في الأكل والشرب والكهرباء والمياه والمواصلات وغلاء الأسعار وجشع بعض ملاك المنازل والشقق والذين أصبح بعض منهم يستمتع بمعاناة من تدمرت منازلهم وعادوا الى الخرطوم يبحثون عن مأوى يضمهم فكانت المبالغة في رفع أسعار الإيجارات …فكانت حالة اصحاب العقارات الجاهزة جزئياً للإيجار كحال حفار القبور في قصيدة بدر شاكر السياب والذي صور بطل القصيدة بأنه يفرح كلما رأى نعشاً محمولاً إلى المقابر..لأن هذا مصدر رزقه فقد انعدمت فيه الإنسانية وأهل الميت ثكلي على فقيدهم… فبعض أصحاب العقارات يتلذذون بإقبال الإعداد الكبيرة من سكان الخرطوم الذين تدمرت منازلهم واصبحوا يبحثون عن السكن المؤقت في الخرطوم في ظل تجاهل الحكومة تماماُ لحال المواطن الذي تدمر منزله ونهبت حتى كوابل الكهرباء وصهاريج المياه وكل الأثاث فالحديث عن إعفاء مدخلات الطاقة الشمسية للمواطن في ظل ظروف معظمهم الإقتصادية رغم اهميته لدى القلة من القادرين إلا أنه يظل ترفاً ولا يقدر عليه كل من تضررت منازلهم فالواجب أن تجتهد الحكومة في توفير الكهرباء العامة وتوفير مدخلاتها بأقساط مريحة لا ان تترك المواطن يواجه كل مشاكله بنفسه وترفع الحكومة يدها بالكامل عن دعمه ومساعدته كما رأيت بنفسي الحال في الخرطوم خلال فترة بقائي فيها.

*إن حال الخرطوم وسكانها ومعاناتهم والوصف الذي شاهدته ليست له علاقة بعودة المواطن إلى دياره تشجيعا أو تخذيلاً وذلك لان قناعة كاتب الزاوية بأن العودة إلى الديار حتمية وضرورية ولابد أن تتم وبأسرع ما يمكن وبأن الديار يعمرها اهلها ووجود العنصر البشري هو أهم عنصر في عملية البناء والتعمير وعودة الحياة وأن موضوع العودة هو شأن شخصي يحدده صاحبه حسب ظروفه وتقديراته ووضعه الإقتصادي ولا أعتقد أن أي مغريات بالخارج يمكن أن تقنع المواطن بترك دياره وأهله ولكن وددت التركيز على تقصير الحكومة إن لم أقل فشلها في تلبية حاجة المواطن الموجود بالداخل صامداً ومحتسباً أو القادم من اللجوء والنزوح بعودة طوعية مجانية أو مدفوعة القيمة…فالحكومة لم تقابل دعوتها للعودة الطوعية بتوفير الخدمات في حدها الأدنى والتي يحتاجها المواطن…مازالت الكهرباء تأتي ساعات محدودة في اليوم والأسعار لا تطاق ومن العجب أن تهلل وزارة المالية وبنك السودان بأن سعر الدولار في السوق الموازي قد (هبط) إلى (7100) بدلا عن (8200) يا للعجب من هذه سياسة وادارة للشأن المالي والنقدي في البلاد وهذا موضوع سبق أن أرقنا فيه الكثير من الأحبار ولا حياة لمن تنادي.

*شهدت الخرطوم أعمال نظافة كبيرة واصبحت الشوارع نظيفة في معظمها ولكن معظمها غير مضاء بالقدر المطلوب وشارع كبري المنشية وعبيد ختم نموذجا…مازالت العربات الخردة التي دمرتها المليشيا وسطى عليها الحرامية منتشرة في الكثير من الساحات مع ضعف حركة السير ووجود العربات وزحمتها في شوارع الخرطوم…حتى شارع المطار لم أجد فيه حياة غير مطعم أمواج وباب اليمن .

الأحياء السكنية الموصوفة بالرقي في الخرطوم من المنشية والرياض والطائف والمعمورة والراقي والمجاهدين مازالت خاوية على عروشها من سكانها ومعظمها تعيش في ظلام دامس ومخيف فضلا عن التخريب الذي أصاب الكثير منها.

*أما وسط الخرطوم من فنادق وبنوك ومؤسسات ومحلات تجارية ومول الواحة والابراج العالية وبنك السودان ومباني المربع الذهبي على جسر الفتيحاب فكلها حطام وحرائق ودمار وتعبر عن حالة تشفي كامل وتجريف وليس حرباُ عسكرية…ابراج القيادة العامة ومستشفى المعلم وداخليات الزهراء الواقعة في محيط القيادة حالها يغني عن سؤالها.

*الحياة في شمال ام درمان حياة شبه عادية حركة عالية في الاسواق وزحمة في الشوارع مع الغلاء في كل شي اما وسط ام درمان وجنوبه حتى صالحة فالحياة متواضعة جدا وغير محفزة ابدا.

*مازال كبري شمبات خارج الخدمة رغم العطاءات وتعدد اللجان ووعد رئيس الوزراء قبل عام أنه سيتم خلال (3 شهور) وعود وتصريحات تمشي بلا سيقان.

*لاحظت أن الأمن قد توفر تماماً وهذا من الأهمية بمكان وقد قابلت اعداداً كبيرة من المواطنين وعبروا عن سرورهم بالامن وإختفاء معظم الظواهر السالبة وهذا يحسب لوزارة الداخلية وجهاز المخابرات العامة ولحنة أمن الولاية.

*أسئلة كثيرة دارت في ذهني وكاتب السطور يتجول في مناطق عدة وهي… ماهي خطة الحكومة للتعمير وإعادة الحياة للمواقع المدمرة؟ خاصة لما عرفت بمنطقة الخطر وسط الخرطوم؟…وما هو برنامج عملها التنفيذي للإعمار؟ وماهي جهودها في عقد شراكات مع شركات عالمية بدول صديقة وبعقود مريحة بنظام ال(BOT) المعروف دولياُ للإعمار لعلمي التام بأن الحكومة لن تستطيع طالما أن 90% من عائد الذهب خارج خزينة الدولة وأصحاب الشركات يحتجون ويبحثون عن المزيد من الفوائد على حساب المال العام.

*ثم أين هو تأثير علاقة رئيس مجلس الوزراء الإيجابي بالمنظمات الدولية وإمكانية وتوظيفها في جلب الدعم من الخارج؟ علماً بأن وجوده في منظمة الوايبو وبعده الخارجي هي الرافعة الوحيدة التي أتت به إلى رئاسة الوزارة واعطته ميزة إضافية علي كثيرين بالداخل يعتبرون أفضل منه كثيراً.. خبرة وتجربة ومعرفة لطروف البلد وقرباً وإحساساً بالمواطن…فإلى أي مدى نجح في توظيف هذه العلاقة في بناء شراكات دولية والسودان في أمس الحاجة إليها خاصة في ظروف الحرب وما بعدها؟.. وهو الشيء الذي لم يحدث حتي الآن كمال قال ذلك بنفسه في لقائه بالمشاركين في ملتقي الاعلاميين والصحفيين مؤخراً بفندق السلام روتانا…وكانت كلمات الوزراء الذين رافقوه في اللقاء أكثر إثارة لتساؤلات عن ضعف آدائهم من الإجابة علي أسئلة الصحفيين والإعلاميين الموجودين.

*ختاما نقول أن الحديث يطول عما شهدناه في ولاية الخرطوم ولم تكن بحري بالطبع بأفضل من الخرطوم كثيرا لذلك ما طرحناه وأقتراحناه هو إلقاء حجر في بركة الحكومة الساكنة إن لم نقل الجامدة في ظل ظروف وأوضاع لا تحتمل البطء أو التراخي الذي رأيناه الآن؟ فهل نتوقع إجابات لما طرحناه من أسئلة؟.