آخر الأخبار

الانشقاقات داخل المليشيا.. من خروج الأفراد إلى تآكل البنية العسكرية والاستشارية والسياسية (1)

تقرير- علي منصور :

لم تعد ظاهرة الانشقاقات داخل مليشيا الدعم السريع مجرد حالات فردية متفرقة يخرج فيها مقاتل أو قائد من صفوف القتال ثم تنتهي القصة عند هذا الحد فمنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 تطورت الظاهرة تدريجياً من خروج شخصيات وقيادات محدودة إلى خروج قادة ميدانيين وضباط ومستشارين وشخصيات سياسية وإدارية ثم إلى مجموعات مسلحة بأعداد معلنة وآليات وأسلحة وعتاد عسكري ولدراسة ذلك أقام الاتحاد العام للصحفيين السودانيين ورابطة صحافيي وإعلاميي كردفان ودارفور بالتضامن مع وكالة السودان للأنباء (سونا) ومركز التمده للخدمات الصحفية والإعلامية والتدريب وبالتنسيق مع وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة ووزارة الثقافة والإعلام والاتصالات بإقليم دارفور وولاية جنوب دارفور وتحت رعاية حاكم إقليم دارفور المرشال مني أركو مناوي وإشراف الأستاذ خالد إسماعيل أحمد علي الأعيسر وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة والأستاذ بشير مرسال حسب الله، والي جنوب دارفور والبروفيسور أحمد إسحاق شنب وزير الثقافة والإعلام والاتصالات بإقليم دارفور سمناراً حول الانشقاقات داخل مليشيا الدعم السريع تحت شعار (العودة إلى حضن الوطن طريق السلام) وذلك بالمركز الثقافي أم درمان وجاء السمنار في توقيت تزايدت فيه حالات الانشقاق والاستسلام من صفوف الدعم السريع خصوصاً خلال عام 2026 عقب خروج قيادات ميدانية ومستشارين وقيادات سياسية وإدارية الأمر الذي جعل الظاهرة تتجاوز مفهوم (خروج أفراد من ميدان القتال) إلى ظاهرة تستحق الدراسة من جوانبها العسكرية والسياسية والاجتماعية والإعلامية والقانونية وقدمت خلال السمنار ثلاث أوراق رئيسية؛ الأولى حول الانشقاقات بوصفها ظاهرة قدمها الدكتور محمد جلال هاشم والثانية حول الانشقاقات في الميدان من رؤية عسكرية قدمها اللواء م عبد المالك البشير موسى عبد المالك والثالثة حول حق العفو قدمها الدكتور عبد الرحمن حسن سعيد وجاءت الأوراق والنقاشات للإجابة عن عدد من الأسئلة التي تشغل الصحفيين والباحثين خصوصاً بعد عودة الأمير عبد الرحمن مسار مرة أخرى إلى التمرد بعد أن قطع شوطاً بعيداً في طريقه للانضمام إلى حضن الوطن وما أثاره ذلك من جدل حول كيفية التعامل الإعلامي مع المنشقين ومدى تأثير التناول الإعلامي السالب أو المتعجل في دفع بعض العائدين إلى التراجع أو العودة إلى القتال وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الترحيب بالعودة إلى الوطن من ناحية والمساءلة القانونية عن الجرائم والانتهاكات من ناحية أخرى فالعفو متى كان متاحاً وفق القانون لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تناقضاً مع العدالة كما أن التعامل مع العائدين باعتبارهم مواطنين اختاروا العودة إلى الدولة يمكن أن يخدم مصلحة البلاد في إضعاف القدرة الحربية للدعم السريع بل وإنهاء قدرته على مواصلة الحرب من أجل إرساء السلام والاستقرار وفي المقابل فإن العفو مهما كان مصدره لا يعني تلقائياً حصانة شاملة عن كل الجرائم ولا يسقط بالضرورة الحقوق الخاصة التي يقررها القانون ومن ثم فإن معادلة العودة إلى الوطن والعفو في حدود القانون والمساءلة عن الجرائم التي لا يشملها العفو يجب أن تظل واضحة حتى لا تتحول قضية الانشقاقات إلى مدخل لإهدار العدالة أو إلى سبب لإغلاق باب العودة أمام من يريدون التخلي عن القتال.

 

من السؤال (كم انشق؟) إلى سؤال (ماذا تعني الانشقاقات؟):


تكشف مراجعة الحالات المعلنة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 عن صعوبة الوصول إلى رقم نهائي لعدد المنشقين والسبب ليس غياب الأرقام تماماً وإنما تعدد طرق الإعلان عنها فقد تعلن جهة عن قائد مع (مجموعة كبيرة) ثم يأتي لاحقاً إعلان عن أفراد من المجموعة نفسها ليلحقوا بركب زملائهم أو تعلن وسيلة إعلام عن قوة دون تحديد عدد أفرادها بينما تعلن وسيلة أخرى رقماً مختلفاً ولهذا لا يصح علمياً القول إن العدد الإجمالي للمنشقين هو مثلاً 2000 أو 3000 أو 5000 مقاتل ما لم تُبنَ قاعدة بيانات حقيقية يتم تحديثها باستمرار وتشمل
– القادة العسكريين الضباط المجموعات المسلحة- – الأفراد المستشارين- أعضاء المجلس الاستشاري- القيادات السياسية والإدارية- المستقيلين من التحالفات السياسية- الذين أعلنوا الانشقاق دون إعلان انضمامهم إلى الجيش- الذين انضموا فعلياً إلى القوات المسلحة-الذين سلموا أنفسهم ثم بدأت إجراءات توفيق أوضاعهم ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لدراسة الانشقاقات لا تكمن في الرقم وحده وإنما في نوعية الشخصيات التي خرجت وحجم القوات التي خرجت معها ونوعية الأسلحة والآلات والمناطق التي جاءت منها والأسباب التي دفعتها إلى اتخاذ القرار وهذا يقود إلى قراءة أوسع للظاهرة فهناك تصدع عسكري وتصدع استشاري وتصدع سياسي وإداري فضلاً عن التصدع على مستوى المجموعات والمقاتلة.
التصدع العسكري:
ويشمل القيادات العسكرية والقادة الميدانيين والضباط والمجموعات المسلحة ومن أبرز الحالات
– اللواء الركن الخير عبد الله (أبو مريدات) في أبريل 2023
– أبو عاقلة كيكل في أكتوبر 2024
– مكي محمد التجاني
) – اللواء النور أحمد آدم (القبة
-العميد علي رزق الله الدوداي (السافنا
– بشارة عبد الله الهويرة
– العميد أحمد شاع الدين
-المقدم إسماعيل علي عبد الرحمن عبد الله (أبورهف)
– القائد إبراهيم البدر أبو كنيش
– القائد محمد علي عليا حمودي قائد كتم
– القائد عيد إسماعيل
– القائد محمود الوالي
– القائد محمد آدم عبد المجيد
– القائد مشعل
– حسين الدودو
– اللواء موسى علي أحمد، المعروف بـ(موسى خمسين)
– الجنرال أبوبكر حمودة دحلوب
– القائد عثمان النور
– القائد يونس إدريس
– القائد علي الزين
ولا تزال الحالات تتوالى تباعاً رغم التضييق وبرزت خلال يوليو وأغسطس 2026 مجموعات بأعداد وآليات معلنة من بينها مجموعة الـ280 بقيادة حسين الدودو قائد المجموعة 23 والمجموعة 26 ومجموعة الـ45 والمجموعتان 55 و47 وقوة بقيادة اللواء موسى علي أحمد، المعروف بـ(موسى خمسين) وقوة بقيادة الجنرال أبوبكر حمودة دحلوب قائد شعبة الاستخبارات بشمال كردفان إلى جانب القادة عثمان النور ويونس إدريس وعلي الزين
والتطور الأهم هنا أن الظاهرة لم تعد مرتبطة بقائد يخرج منفرداً وإنما بدأت تظهر في صورة تشكيلات عسكرية تتحرك بأفرادها وآلياتها وعتاده
التصدع الاستشاري:


وهو خروج أعضاء من المجلس الاستشاري والمستشارين الذين كانوا يعملون في ملفات استراتيجية وإعلامية وقانونية ومجتمعية وقد شهد أكتوبر 2024 خروج خمسة مستشارين دفعة واحدة ثم خروج خمسة آخرين في يوليو 2025 وهذه الحالات لها دلالة مختلفة لأنها لا تتعلق بالقوة النارية فقط وإنما ببنية صناعة القرار والخطاب السياسي والقانوني والإعلامي فالمقاتل الذي يغادر قد يحمل معه معرفة بالانتشار والتسليح والتحركات بينما يستطيع المستشار أو المسؤول السياسي أو القانوني تقديم صورة عن آليات اتخاذ القرار والعلاقات السياسية والخطاب الإعلامي والإدارة المدنية والبنية القانونية والعلاقات الخارجية وبذلك فإن خروج عشرة مستشارين وأعضاء في المجلس الاستشاري بأسمائهم ومواقعهم لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد رقم (10) وإنما باعتباره خروجاً من قطاعات مختلفة من البنية السياسية والاستشارية.
التصدع السياسي والإداري:

ويشمل الشخصيات التي ارتبطت بالهياكل السياسية والإدارية التي أنشأها أو دعمها الدعم السريع ومن أبرز الحالات في هذا الباب فارس النور إبراهيم الذي أعلن في يونيو 2026 مغادرته المجلس الرئاسي لتحالف ما يسمى ب (تأسيس) ومغادرته المشروع السياسي المرتبط بالدعم السريع وهنا يجب التفريق بين الحالة السياسية والانشقاق العسكري ففارس النور لا ينبغي إدراجه في جدول أعداد المقاتلين المنشقين وإنما في جدول التصدع السياس وقد صدر في 19 يونيو 2026 قرار بإنهاء عضويته في المجلس الرئاسي لـ(تأسيس) كما أعلن في 12 أغسطس 2026 حمد محمد حامد خليفة الذي عُيّن حاكماً لإقليم كردفان من قبل حكومة ما يسمى ب (تأسيس) استقالته وانشقاقه عن المنظومة التي عُيّن من خلالها، في مقابلة تلفزيونية داعياً إلى عودة مؤسسات الدولة وهذه الحالات السياسية والإدارية لا ينبغي إدراجها آلياً ضمن أعداد المنشقين العسكريين لكنها مهمة في قياس مدى تماسك المشروع السياسي والإداري المرتبط بالدعم السريع.
التصدع على مستوى المجموعات والمقاتلين:
هنا تظهر أهمية الأرقام فلم تعد الحالات مقتصرة على قائد يعلن موقفه منفرداً وإنما أصبحت مجموعات كاملة تصل إلى مناطق سيطرة الجيش بكامل أو جزء من عتادها وهذه هي النقطة التي تجعل عام 2026 مختلفاً في طبيعة الظاهرة عن السنوات السابقة؛ إذ أصبح السؤال لا يتعلق فقط بـ(من انشق؟) وإنما بـ (كم مقاتلاً خرج معه؟)
وكم عربة وصلت؟ وما نوع العتاد الذي خرج؟ ومن أي محور جاءت المجموعة؟ وإلى أي منطقة وصلت؟ وهل انضمت فعلياً إلى القوات المسلحة أم سلمت نفسها فقط؟ هذه الأسئلة هي التي تحول ظاهرة الانشقاقات من خبر يومي إلى مادة قابلة للتحليل العسكري والاستراتيجي.
– نواصل-