
عطل في أسانسير عمارة ب(فيصل)(1)
عمرو خان
*ستة عالقون في الدور الرابع.. لم يكن أحد منهم يتخيل أن رحلة قصيرة إلى الدور الرابع ستتحول، في دقائق معدودة، إلى اختبار قاسٍ لكل ما يؤمن به عن الآخرين.
*في عمارة متوسطة الارتفاع في منطقة فيصل، حيث تختلط أصوات الباعة بضجيج السيارات، وتتجاور الشقق في صمت ظاهري يخفي خلف الأبواب حكايات كثيرة، كان الأسانسير هو المكان الوحيد الذي يجمع سكان العمارة دون موعد.
*يدخل أحدهم مسرعًا، يضغط رقم الطابق، يلقي تحية مقتضبة، ثم ينشغل بهاتفه.. يدخل آخر، فيقف إلى جواره دون أن يعرف اسمه أو بلده أو حكايته هكذا كانت الحياة في العمارة؛ وجوه كثيرة، وبلدان أكثر، وأسباب مختلفة للسكن، لكن بابًا حديديًا واحدًا كان يغلق عليهم جميعًا في كل مرة.
*في ذلك اليوم، كانت الحرارة مرتفعة بصورة خانقة.. تزامن صعود ستة من السكان إلى الأسانسير، دون أن يعرف أحد منهم أن الصدفة التي جمعتهم هذه المرة لن تنتهي عند فتح الباب في الدور الرابع.. كان بينهم رجل سوداني من الخرطوم، هادئ الملامح، يراقب الأشياء أكثر مما يتحدث عنها.. وبجواره رجل آخر من أم درمان، أكثر حدة في حديثه، يعرف جيدًا كيف يدافع عن رأيه إذا شعر أن أحدًا تجاوز حدوده.. أما الثالث، فمن دارفور.. كان قليل الكلام، وحين يتحدث تبدو في لهجته مفردات لا يلتقطها الجميع بسهولة.. الرابع كان مسنًا سعوديًا، قضى سنوات طويلة في التنقل بين البلدان، واكتسب من العمر ما يكفي ليعرف أن بعض المشكلات لا تحل بالصوت المرتفع.. والخامس رجل سوري في الأربعينيات، بدا منذ اللحظة الأولى أكثر اهتمامًا بالهواء الذي يتنفسه من الكلام الذي يدور حوله.. أما السادس، فكان طبيبًا مصريًا يسكن العمارة منذ سنوات.
*أغلق باب الأسانسير..ضغط أحدهم على زر الدور الرابع.. تحرك الصندوق الحديدي إلى أعلى ثم، فجأة انطفأ كل شيء توقف الأسانسير غرق المكان في ظلام مفاجئ، قبل أن يعمل ضوء الطوارئ الخافت ..لم يعرف أحد في البداية ماذا حدث.. انقطاع كهرباء؟..عطل فني؟..مشكلة في الأسانسير؟..ضغط الطبيب المصري على زر الطوارئ أكثر من مرة، ثم قال بضيق: أنا قلت الكلام ده من زمان… العمارة محتاجة مولد كهرباء إضافي.. كل مرة التيار يقطع الأسانسير يقف.. رد أحدهم بأن المولد مكلف هنا بدأ الطبيب يسرد اعتراضاته القديمة.. المستأجرون، كما قال، لا يريدون المشاركة في شراء مولد؛ لأنهم لا يعرفون إلى متى سيبقون في العمارة أصلًا..سكن مؤقت ..إقامة مؤقتة.. حياة مؤقتة
وكانت كلمة (مؤقت) هي التي بدأت تثير شيئًا آخر داخل الصندوق الحديدي.
*مرت دقيقتان ..ثم ثلاث ..ثم خمس في البداية كانوا يتحدثون عن العطل بعد ذلك بدأوا يتحدثون عن العمارة ثم عن سكانها ثم عن بعضهم البعض.. قال الطبيب إن المشكلة ليست في الكهرباء وحدها، وإنما في غياب الإحساس بالمسؤولية.. وتحدث عن نظافة السلالم، والقمامة، وصيانة الأجزاء المشتركة.. ثم قال، بنبرة بدت عابرة في البداية بعض الناس هنا عارفين إنهم مش هيكملوا في المكان، فمش فارق معاهم العمارة يحصل فيها إيه.. لم تمر الجملة كما أراد لها أن تمر.. الرجل القادم من الخرطوم رفع رأسه قال بهدوء تقصد مين؟..صمت الطبيب لحظة ثم حاول أن يشرح لكن الرجل من الخرطوم قاطعه لا، خلينا واضحين.. مين اللي مش فارق معاه؟ قال الطبيب إنه يتحدث عن ظاهرة عامة، وليس عن شخص بعينه ابتسم الرجل السوداني ابتسامة قصيرة لم تحمل اقتناعًا.. الظواهر العامة بتبدأ من ناس محددين.
*تدخل الرجل من أم درمان مؤيدًا وبعدين، مش كل زول ساكن هنا مؤقت يبقى ما عندوش مسؤولية بدأت مساحة الأسانسير تضيق، رغم أنها لم تتغير.. الحرارة ارتفعت..الهواء أصبح أثقل والكلمات بدأت تأخذ مساحة أكبر من اللازم.. حاول الرجل من دارفور أن يشرح وجهة نظره تحدث طويلًا بلهجته، لكن الطبيب لم يفهم معظم ما قاله.. طلب منه أن يعيد كلامه.. أعاد ولم يفهمه الطبيب أيضًا.. هنا حدث شيء صغير، لكنه كان كافيًا لتغيير شكل الغرفة كلها.
*لم يعد الخلاف حول الأسانسير..صار الخلاف حول من يحق له أن يتحدث، ومن يجب أن يشرح نفسه، ومن يملك تعريف المشكلة أصلًا.. قال الرجل السعودي، محاولًا تهدئة الجميع يا جماعة، إحنا دلوقتي في مشكلة واحدة لازم نفكر إزاي نخرج منها..
لكن أحدًا لم يستمع إليه تمامًا
كان كل واحد منهم قد بدأ يستعيد في داخله مشكلات أخرى، أكبر من العمارة وأقدم من هذا الأسانسير.
*أما الرجل السوري، فلم يكن منشغلًا بالجدال كان يبحث في السقف والجدران عن أي فتحة تهوية اقترب من أحد الأركان، ومد يده.. قال بصوت منخفض الهوا هنا قليل لم ينتبه إليه أحد عاد يتحدث بصوت أعلى لازم نلاقي تهوية… بسرعة.. نظر إليه الطبيب ثم نظر إلى الآخرين وفجأة بدا الأسانسير أصغر مما كان عليه قبل دقائق.
*ستة أشخاص.. هواء محدود.. حرارة متزايدة..وكهرباء مقطوعة وخلاف بدأ من مولد كهرباء، ثم تحول إلى اتهامات، ثم إلى أسئلة عن المسؤولية والانتماء والوجود.. مرّت سبع دقائق أخرى…ضغط الطبيب زر الطوارئ
لا رد.. ضغط الرجل السعودي زر الاتصال لا شيء.. طرق الرجل من أم درمان الباب بيده صمت الخارج في الداخل، بدأ القلق يتحول إلى خوف ثم قال الرجل السوري جملة جعلت الجميع يتوقفون عن الكلام.. لو محدش عارف إننا هنا… إحنا ممكن نفضل جوه لحد ما.. لم يكمل في تلك اللحظة تحديدًا، سمعوا صوتًا من خارج الأسانسير.. خطوات اقتربت من الباب تبادل الستة النظرات.. ثم جاء صوت مجهول من الخارج.. في حد جوه؟ ساد الصمت نظر كل واحد منهم إلى الآخر.. لم يجب أحد
لثوانٍ قليلة، بدا الأمر وكأن السؤال لم يكن: (هل يوجد أحد بالداخل؟).. بل كان السؤال الحقيقي من منكم سيقرر أولًا كيف نخرج جميعًا؟..وانطفأ ضوء الطوارئ.
يتبع
كاتب صحفي مصري