الانهيار المتسارع للمليشيا … هل سترفع الإمارات يدها عن الدعم السريع ؟
- أبوظبي تبدأ في ترتيب الأوراق
- محمد بن زايد عينه على الموانئ وهو يعلم ان من يملك البحر الأحمر يملك القرن الافريقي
- ابوظبي تحاول استرداد صورة زاهية مفقودة وتبتدع وسيلة( غسيل السمعة) بمواقف إنسانية مصنوعة
تقرير :د. إبراهيم حسن ذو النون
لاشك ان التطورات الميدانية العسكرية التي شهدتها محاور العمليات المختلفة في السودان لاسيما محور شمال كردفان حتى تخوم المناطق الحدودية لاقليم دارفور على محور ولاية شمال دارفور خاصة الطريق إلى مدينة الفاشر العاصمة التاريخية للاقليم والمعبر لبقية ولايات دارفور الاربع الأخرى قد احدثت تاثيرات سالبة على دولة الامارات العربية المتحدة الراعي الرسمي والداعم الذي لم يعد خافيا لمليشيا الدعم السريع التي تمردت على شرعية الدولة السودانية
التي كانت جزءا منها حتى صباح 15 ابريل 2023 موعد انطلاقة الطلقة الأولى.
وبالطبع ان الانهيارات التي شهدتها المليشيا المتمردة (هزائم و هروب جماعي للمقاولين و استسلام قيادات ومجموعات للجيش السوداني واعلان قيادات قبلية كانت داعمة للمليشيا عن رفضها الدفع بمستنفرين جدد إلى ساحات القتال) فمن الواضح ان ابوظبي قد بدأت مرحلة ترتيب الاوراق بشكل جديد وفقا للمعطيات العسكرية الميدانية الماثلة والمعطيات السياسية والدبلوماسية الدولية.
(1)

وواضح ان الحلقة الضيقة الحاكمة في دولة الإمارات العربية المتحدة ووفق هذه المعطيات الماثلة اخذت تنظر بالعين الثالثة وانتهت لوضع اجندات مستلهمة من هذا الواقع الجديد الذي افرزته الوقائع فمن الواضح انها لن تتخلى كليا عن دعم مليشيا الدعم السريع وانما ستسعى بل سعت بالفعل لايجاد مسارات جديدة للدعم اللوجستي بعد ان استهدف الجيش السوداني ومساندوه المعابر ومسارات الامدادات عبر تشاد وافريقيا الوسطى وليبيا حيث سعت ابوظبي لتغيير خطوط الامدادات اللوجستية إلى مسارات ومعابر جديدة على الحدود الاثيوبية خاصة عبر (اصوصة والفشقة) وفتح مسار آخر عبر يوغندا منها لجنوب السودان ومنها إلى داخل السودان
كما سعت ابوظبي على تكثيف مد المليشيا بمنظومات جديدة من الطيران المسير خاصة FPV ومسيرات الاستطلاع والقصف الاكبر حجما واجهزة تشويش95- CH حيث تدخل السودان عن طريق افريقيا الوسطى وتشاد ومنها تتسرب إلى مناطق سيطرة المليشيا حيث يتم تجميعها وتركيبها في مناطق سودري وام بادر وجبرة الشيخ وابوزبد وغبيش (جيربان) والتي ظلت تستهدف مدن الابيض والرهد والدلنج وكادقلي وبعض مدن أخرى في ولايتي جنوب وشمال كردفان في محاولات من المليشيا لاثبات الوجود وتغطية الهزائم المستمرة والمتلاحقة التي لحقت بها في محور شمال كردفان حتي تخوم الحدود مع اقليم دارفور.
(2)
وفي الجانب الآخر لمرحلة ترتيب الاوراق فان دولة الامارات العربية المتحدة عكفت مؤخرا من خلال الدائرة الضيقة الحاكمة فيها الي اتخاذ ترتيبات ضرورية للحفاظ علي كل المصالح الاستراتيجية في السودان من خلال تأمين مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية الحيوية في منطقة البحر الاحمر والقرن الافريقي حيث تسعى وفقا لرؤية الدكتور اللواء متقاعد هاشم البدري مدير مركز السلام والبحوث والدراسات الاستراتيجية بجامعة كرري في ورقة علمية منشورة له علي صفحته ب(الفيس بوك) ان ابوظبي تسعى سعيا حثيثا للحفاظ على وجودها في البحر الاحمر والقرن الافريقي واللتين يعتبر السودان المعبر الاهم لها وذلك لضمان السيطرة على الممرات الملاحية في البحر الاحمر ويضيف ان دولة الامارات العربية المتحدة لن تتخلى عن وجودها في السودان لارتباط مصالحها فيه اذ ان موارد السودان من المعادن خاصة الذهب والاستثمارات الزراعية والثروات الحيوانية كلها بالنسبة لابوظبي تمثل مصالح حيوية يصعب التخلي عنها والموانئ السودانية التي تربطها بمصالحها الحيوية مع شبكة تجارتها العالمية التي مركزها ومحورها الاساسي ابوظبي.
(3)

ويثور تساؤل في غاية الاهمية وهو كيف ستتعامل (ابوظبي) مع متغيرات الواقع العسكري والسياسي الجديد الذي سيحدث في السودان خاصة ان حالة شبه الانهيار التام لمليشيا الدعم السريع المتمردة علاوة على التطورات الداخلية التي اشبه ما تكون
بحالة التصدع وزال الدعم السريع من المعادلة السياسية والعسكرية .. ويجيب على التساؤل المهم خبير استراتيجي كان يعمل في احد مراكز الدراسات الاستراتيجية في السودان فضل عدم ذكر اسمه والذي قال :ان دولة الامارات العربية المتحدة سوف لن تتخلي عن استراتيجتها في السودان وذلك لوجود مصالح لها داخله تتمثل في الحفاظ على استثماراتها الزراعية
والموارد المعدنية وعلى رأسها الذهب لان اي انقطاع لهذه الاستثمارات خاصة الذهب الذي يأتي اليها بالمنافذ الشرعية وغير الشرعية سيؤدي لتراجع عائداته مما يؤدي لتراجع مكانة مدينة دبي باعتبارها المعادل الاهم في تدوير المعادن النفيسة والتي على رأسها الذهب الذي ياتيها مهربا من السودان وخاصة دارفور لذلك تتحسب ابوظبي للمتغيرات الماثلة ويبدو ان بند ترتيب الاوراق في يخص التعامل السياسي مع نوع الحكم الذي سينتهي اليه الوضع في السودان قد اعدته اكثر من مسار سواء انتهى الوضع في السودان إلى الابقاء على الحكومة الحالية او طرح صيغة حكم ذاتي للمناطق المتبقية تحت سيطرة الدعم السريع اذا ماتمت مفاوضات وكان الدعم السريع جزءا منها او اتجه الاوضاع إلى اقرار النموذج الليبي لاستنساخه في السودان المهم ان الامارات هدفها ان تبقي على مصالحها الاقتصادية والحيوية في السودان بغض النظر عن شكل الدولة فيه او من يحكمه وليس لديها اي تحفظ على كيف يحكم السودان ام من يحكم السودان إلا ان يكون معاديا لها او عودة جماعات الانقاذ التي تطبق الاسلام السياسي.
(4)

الدائرة الضيقة الحاكمة في دولة الامارات العربية المتحدة عينها على الموانئ السودانية والشيخ محمد بن زايد وذلك الاستراتيجية الاماراتية محورها الاساسي هو ان الاطماع والمشاريع الاستثمارية تتمركز في ساحل البحر الأحمر في السودان وتدور بشكل اساسي حول مشروع انشاء وتطوير ميناء ابوعمامة والمنطقة الاقتصادية الملحقة به إلى جانب تاريخية ومنافسة على الادارة في الميناء الجنوبي ببورتسودان والذي يبعد عن مدينة بورتسودان حوالي 200 كليو مترالي 300 كيلو متروميناء ابو عمامة جزء من اتفاقية ضخمة موقعة بين حكومة السودانيين ومجوعة موانئ ابوظبي ومجموعة دال السودانية ويضم منطقة تجارية حرة وصناعية ومطارا دوليا
وتقوم الاطماع الاستراتيجية للامارات علي مرتكزات أساسية تتمثل في الآتي:
– التحكم في الممرات التجارية البحرية وذلك بالسيطرة على السواحل وشرايين الجارة العالمية الخارجية المارة عبر البحر الاحمر.
– خلق مركز لوجستي منافس يماثل ويحاكي منطقة جبل عامر من خلال انشاء منطقة حرة متكاملة تستحوذ علي حركة البضائع.
– احكام الحضور الاستراتيجي على طول الساحل الافريقي وتاثيره على سلاسل الامداد.
– تحييد المنافسة الاقليمية للحد من تنامي دور موانئ سودانية اخرى او توجيه الحركة صالح شبكة الموانئ المرتبطة بها.
(5)

من الضرورة بل من اللازم ومن خلال معطيات انهيار مليشيا الدعم السريع التاكيد على ان دولة الامارات العربية المتحدة باعتبارها الراعي والداعم الاكبر للدعم السريع استعادة واسترداد صورة ذهنية كانت زاهية الا انها اهتزت نتيجة ذلك الدعم لتلك المليشيا حيث اشارت تقارير صادرة من الامم المتحدة الي وجود ادلة ذات موثوقية عالية تفيد بأن الامارات كانت ولم تزل تقدم دعما عسكريا لقوات الدعم السريع عبر شبكات لوجستية في تشاد وافريقيا الوسطى بالاضافة الى دولة ليبيا حفتر وبالاضافة لذلك فقد واجهت الامارات ضغوطا اعلاميا ودبلوماسية تم فيها التلويح باتخاذ اجراءات قانونية دولية عبر اجهزة انفاذ القانون الدولي بالاضافة الى الانتقادات من بعض اعضاء الكنغرس الامريكي ومنظمات حقوقية مما جعل صورتها الذهنية مهتزة أمام الرأي العام العالمي مما دفعها لمحاولات تبييض هذه الصورة وغسلها الادران التي لحقت بها حيث شهد العالم بأسره على تلك الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها المليشيا المتمردة.. عموما إن ابوظبي تحتاج لزمن طويل لتحسين هذه الصورة الذهنية المفقودة.