آخر الأخبار

بالأرقام والأسماء والميدان.. هل تحولت انشقاقات التمرد من حالات فردية إلى موجة جماعية؟(4-4)

تقرير -علي منصور :
فارس النور وحمد خليفة.. الانشقاق السياسي والإداري:
يجب فصل فارس النور إبراهيم عن جدول المنشقين العسكريين ففارس النور كان مستشاراً سابقاً لحميدتي ثم أصبح عضواً في المجلس الرئاسي لتحالف (تأسيس) قبل أن تنتهي عضويته في المجلس الرئاسي في يونيو 2026.. وقد صدر قرار بإنهاء عضويته في 19 يونيو 2026 وهذه حالة انشقاق سياسي وإداري وليست حالة عسكرية مثبتة ولذلك ينبغي أن تظل في جدول مستقل.. أما حمد محمد حامد خليفة حاكم إقليم كردفان المعيّن من قبل منظومة (تأسيس) فقد أعلن في 12 أغسطس 2026 استقالته وانشقاقه عن المنظومة التي عُيّن من خلالها ودعا إلى عودة مؤسسات الدولة ثم انشق الأمير إسماعيل محمد يوسف القيادي البارز وأحد وجهاء وقادة قبيلة المسيرية في غرب كردفان و أعلن في تسجيل مصور انشقاقه عن مليشيا الدعم السريع وتأييده وانضمامه للجيش السوداني وسط ترحيب واسع من أنصار القوات المسلحة وكذلك القائد في غرب كردفان علي عبدالجليل بكار وهذه الحالات مهمة لأنها تشير إلى أن التصدع لم يعد محصوراً في البنية العسكرية وإنما امتد إلى البيئة السياسية والإدارية التي حاول الدعم السريع بناءها حول مشروعه العسكري.
الحصيلة ثلاث موجات للتصدع:

يمكن قراءة الظاهرة حتى سبتمبر 2026 عبر ثلاث موجات رئيسية فالموجة الأولى 2023 وانشقاق قيادي فردي عالي المستوى
– اللواء الخير عبد الله (أبو مريدات) وكانت السمة الأساسية هي خروج شخصية قيادية ذات صلة بجهاز حساس داخل المنظومة والموجة الثانية 2024–2025
وانشقاق الحلقة العسكرية والاستشارية والسياسية: أبو عاقلة كيكل عسكرياً
خمسة مستشارين في أكتوبر 2024 -خمسة مستشارين في يوليو 2025- ثم حالات سياسية وإدارية لاحقة وفي هذه المرحلة بدأ الانشقاق ينتقل من مستوى الميدان إلى مستوى بنية اتخاذ القرار والخطاب السياسي والإدارة المدنية والموجة الثالثة 2026 الانشقاق الجماعي المنظم وهي المرحلة التي شهدت: مكي محمد التجاني
النور أحمد آدم (القبة)- علي رزق الله (السافنا)

بشارة الهويرة إسماعيل (أبورهف) إبراهيم البدر أبو كنيش- محمد علي عليا حمودي-عثمان النور-يونس إدريس-علي الزين- موسى (خمسين)- أبوبكر حمودة دحلوب-إضافة إلى مجموعة الـ280 -المجموعة 26 -مجموعة الـ45 – مجموعتي 55 و47 -مجموعات أخرى لم تعلن أعدادها وهنا انتقلت الظاهرة من (انشقاق شخص) إلى (انشقاق تشكيل) هل تحولت الانشقاقات إلى موجة جماعية؟
المعطيات المتاحة حتى سبتمبر 2026 تسمح بالقول إن الظاهرة تغيرت في طبيعتها وحجمها لكن لا تسمح من الناحية العلمية بإعلان رقم نهائي لجميع المنشقين أو الجزم بأن كل وحدات الدعم السريع دخلت مرحلة تفكك شامل فالفرق كبير بين القول (هناك موجة متزايدة من الانشقاقات الجماعية المعلنة) وبين القول (إن الدعم السريع انهار تنظيمياً) الأول تدعمه سلسلة من الحالات والأرقام المعلنة بينما الثاني يحتاج إلى مؤشرات عسكرية وتنظيمية أوسع بكثير والمؤشر الأهم ليس عدد الأخبار المنشورة وإنما تكرار أربعة عناصر في حالات متتابعة قائد + مجموعة + آليات + انتقال منظم إلى منطقة سيطرة الجيش وعندما تتكرر هذه العناصر يصبح الحديث عن تحول نوعي في الظاهرة أكثر دقة من الحديث عن حالات فردية.
ماذا تعني الانشقاقات عسكرياً؟:


هناك أربعة آثار محتملة ومباشرة للانشقاق العسكري:
أولاً: خسارة بشرية كل مجموعة تغادر تعني فقدان عدد من المقاتلين خصوصاً إذا كانت المجموعة منظمة ومسلحة.
ثانياً :خسارة قيادية وخروج قائد ميداني يعني فقدان الخبرة المرتبطة بالمحور الذي كان يعمل فيه.
ثالثاً :خسارة معلوماتية فالقادة والضباط والمستشارون يعرفون: طرق الإمداد- نقاط الانتشار- طرق الحركة- طبيعة القيادة- آليات الاتصال- طبيعة بعض الخلافات الداخلية.
رابعاً :الأثر المعنوي فعندما يرى المقاتل أن قائده أو رفاقه أو مجموعته غادروا فقد يتغير إدراكه لمستقبل القتال لكن هذا الأثر لا ينبغي تضخيمه فالقوات المسلحة يمكنها أيضاً أن تعوض خسائرها البشرية ولذلك فإن أثر الانشقاقات على نتيجة الحرب يتوقف على حجم التكرار وقدرة القيادة على التعويض وقدرتها على ضبط بقية الوحدات وعلى قدرة الطرف الآخر على استيعاب العائدين.
ماذا تعني الانشقاقات سياسياً؟:
الانشقاق السياسي لا يقل أهمية عن العسكري في بعض الحالات فخروج مسؤول أو مستشار سياسي لا يعني بالضرورة خسارة مقاتلين لكنه قد يعني خسارة: شرعية سياسية- معرفة داخلية- شبكة علاقات- قدرة على التفاوض- قدرة على مخاطبة قطاعات اجتماعية- قدرة على الدفاع عن المشروع أمام الرأي العام.. ولهذا يجب ألا تُقاس الانشقاقات كلها بالعدد البشري فـمقاتل واحد ليس بالضرورة مساوياً لمستشار واحد في التأثير كما أن قائد مجموعة من 300 مقاتل لا يمكن قياس أثره بالطريقة نفسها التي يقاس بها أثر عضو عادي في مجموعة مسلحة.
لماذا لا يكفي عدد المنشقين؟:
لأن الرقم وحده قد يكون مضللاً فمثلاً 318 مقاتلاً رقم مهم لكن الأهم أن نعرف هل كانوا قوة قتالية متماسكة؟ هل معهم ضباط؟ هل خرجوا بآلياتهم؟ هل كانوا في محور نشط؟ هل كانوا يعرفون مواقع الإمداد؟هل انضموا إلى الجيش كوحدة أم جرى تفكيكهم؟وهذه الأسئلة هي التي تحول الرقم من مجرد إحصاء إلى معلومة عسكرية قابلة للتحليل.
بين الترحيب والمساءلة:

تطرح الانشقاقات سؤالاً شديد الحساسية كيف تستقبل الدولة المنشقين؟..وهنا لا بد من الفصل بين مسارين فالمسار الأول تشجيع العودة لأن استمرار المقاتل في الحرب يعني استمرار القتال بينما خروجه منها يضعف القدرة على مواصلة الحرب والمسار الثاني العدالة لا يجوز أن يتحول الانشقاق إلى حصانة تلقائية عن كل جريمة سابقة ولهذا فإن العبارة الأكثر دقة هي العودة إلى الوطن لا تعني بالضرورة إسقاط الحقوق، والعفو لا يعني بالضرورة الحصانة من الجرائم التي لا يشملها القانون ومن هنا فإن معالجة قضية المنشقين تحتاج إلى منظومة واضحة تشمل:
التسجيل -التحقق من الهوية- التحقق من الرتب والوحدات- جمع السلاح والعتاد- الفرز القانوني- تحديد من تشملهم إجراءات العفو- تحديد الجرائم التي لا يشملها العفو- حماية الحقوق الخاصة- إعادة التأهيل- وإعادة الاستيعاب وفق القانون والضوابط العسكرية.

 

دور الاستخبارات والمخابرات العامة القوات المشتركة:
التقارير المنشورة في مايو 2026 أشارت صراحة إلى أن عمليات استدراج واستخبارات مضادة كانت وراء عدد من الانشقاقات الكبيرة أن عمليات الانشقاق كانت نتيجة عمليات استخبارات عسكرية ومخابرات (صبرية ومخططة بعناية)كما أن العلاقات القديمة بين ضباط الجيش وقادة الدعم السريع سهّلت التواصل مع بعض المستهدفين وهذا يعني أن وظيفة الاستخبارات العسكرية والمخابرات العامة يمكن فهمها في عدة مستويات تحديد الشخصيات القابلة للانشقاق داخل الدعم السريع معرفة الخلافات بينها وبين القيادة استغلال الخلافات المتعلقة بالقيادة والمناصب والموارد فتح قنوات اتصال سرية
التفاوض بشأن خروج القائد وقواته وعتاده.
تأمين الطريق من مناطق سيطرة الدعم السريع إلى مناطق الجيش وهذا لعب فيه القوات المشتركة دوراً كبيراً كذلك جمع المعلومات عن القوة التي خرجت عدد الأفراد والأسلحة والمركبات والقيادات وإجراء التحريات قبل إدماج المنشقين في القوات المسلحة وهناك دليل أكثر تحديداً على ذلك في حالة موسى خمسين بأن قوة تزيد على 300 مقاتل خرجت من دارفور إلى الولاية الشمالية تحت مرافقة الاستخبارات العسكرية والقوات المشتركة قبل انتقالها إلى أم درمان.

عبد الرحمن مسار.. درس آخر في ملف المنشقين:


أثارت عودة الأمير عبد الرحمن مسار مرة أخرى إلى التمرد بعد أن قطع شوطاً بعيداً في طريقه للانضمام إلى حضن الوطن جدلاً واسعاً حول كيفية التعامل الإعلامي مع المنشقين والدرس هنا ليس في شخص عبد الرحمن مسار وحده وإنما في ضرورة عدم التعامل مع المنشق باعتباره (غنيمة إعلامية) فالمنشق يحتاج إلى
حماية – تأهيل- معالجة اجتماعية-معالجة قانونية- إعادة دمج- ومتابعة سياسية وأمنية.
كما أن التناول الإعلامي المتعجل الذي يحول العائد إلى بطل مطلق أو إلى متهم مطلق قبل اكتمال الإجراءات القانونية قد يخلق مشكلات لا تساعد على استمرار مسار العودة ومن هنا فإن الإعلام الوطني المهني مطالب بأن يشجع العودة من الحرب وفي الوقت نفسه يحترم حق المجتمع والضحايا في العدالة.
الخلاصة:
تكشف مراجعة الحالات والأسماء والأرقام منذ أبريل 2023 وحتى سبتمبر 2026 عن تحول واضح في طبيعة الانشقاقات داخل الدعم السريع ففي البداية ظهرت حالات فردية ذات مواقع قيادية ثم انتقلت الظاهرة إلى الحلقة الاستشارية والسياسية ثم ظهرت في 2026 بصورة أكثر وضوحاً على شكل مجموعات مسلحة وضباط وقادة ميدانيين ومئات المقاتلين وعشرات الآليات القتالية ووفق الحالات ذات الأرقام البشرية المعلنة التي أمكن جمعها فإن هناك 2618
مقاتلاً على الأقل يمكن إدراجهم في الحصيلة الرقمية لعام 2026 دون تكرار مع التأكيد أن الرقم لا يمثل جميع المنشقين كما يمكن رصد ما لا يقل عن 230 عربة قتالية في الحالات التي تتوافر لها أرقام قابلة للجمع دون إدخال رقم الهويرة ويرتفع الرقم إلى 273–277 عربة إذا أضيف نطاق 11–15 عربة المنسوب إلى مجموعته 284-292
أما رقم 187 عربة المرتبط بمجموعة النور القبة فيظل خارج الحصيلة باعتبارها عربات تمثل مجموعة لوحدها.
والأهم من الأرقام أن الانشقاقات أصبحت تضرب ثلاث دوائر في وقت واحد الدائرة العسكرية والدائرة الاستشارية والدائرة السياسية والإدارية وهذا يعني تلقائياً أن الدعم السريع فقد قدرته العسكرية أو أن انهياره التنظيمي أصبح أمراً واقعاً والمؤكد أن الظاهرة لم تعد مجرد حالات فردية فحين يخرج قائد ثم تلحق به مجموعة ثم تظهر مجموعات أخرى بأعداد معلنة ثم يصل الانشقاق إلى ضباط واستخبارات ومستشارين وقيادات سياسية وإدارية فإن السؤال لم يعد (من انشق؟) بل أصبح (إلى أي مدى أصبح الانشقاق ظاهرة داخل بنية التنظيم نفسه وما أثرها على قدرته على الاستمرار في الحرب؟) وهنا تكمن القيمة الحقيقية لسمنار (الانشقاقات داخل الدعم السريع) ليس في الاحتفاء بالمنشقين وإنما في محاولة فهم الظاهرة باعتبارها واحدة من أدوات قراءة مسار الحرب وفتح الطريق أمام العودة إلى الدولة مع إبقاء باب العدالة مفتوحاً وفق القانون فالهدف النهائي ليس تكثير أعداد المنشقين لذاتها وإنما تقليل أعداد المقاتلين في الحرب وتجفيف مصادر استمرارها وإعادة المواطنين إلى حضن الدولة وتهيئة الطريق أمام السلام والاستقرار (العودة إلى حضن الوطن طريق السلام) ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الباحثين والصحفيين هل نحن أمام سلسلة من الانشقاقات المتتابعة أم أمام بداية تحول أعمق في البنية العسكرية والسياسية والاستشارية للدعم السريع؟ والإجابة النهائية لا يصنعها عدد الأخبار وإنما ما ستكشفه الأسابيع والأشهر المقبلة من أسماء جديدة ومجموعات جديدة وأعداد جديدة ومسارات جديدة للعودة إلى الدولة.