آخر الأخبار

واشنطن تتمادى في سياسة ( لي الذراع) مع الخرطوم

  • الأمين العام للأمم المتحدة … سعيكم مشكور
  • لماذا تسكت الأمانة العامة للأمم المتحدة على اهدار حقوقها في اتفاقية المقر؟
  • امركيا تكيل بمكياليين رفضت منح البرهان تأشيرة دخول ومنحتها لرئيس إيران ل (حاجة في نفس ترامب)

تقرير- د.إبراهيم حسن ذو النون:


اكثر ما حيرني ان السيد الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش وربما حير الكثير من المراقبين انه اكتفى في تعبيره عن القلق البالغ في حادثة عدم منح رئيس دولة ذات سيادة وعضو بمنظمة الأمم المتحدة وهو الرئيس السوداني رئيسمجلس السيادة الانتقالي تأشيرة دخول للولايات المتحدة الامريكية لحضور فعاليات انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي تنعقد هذه الأيام بمقرها الدائم بنيويورك حيث يحضرها رؤساء الدول الاعضاء في المنظمة الدولية أو من يمثلوهم من رؤساء وزراء أو وزراء الخارجية أو أي اشخاص مسئولين فوضوهم بمهمة التمثيل ومبعث الحيرة ان السيد الأمين العام للأمم المتحدة قد تنازل طوعا عن أهم واجباته المتمثلة في اضفاء الحماية والحصانة للدول الأعضاء لحضور ممثليها فعاليات المنظمة الأممية وفق الاعراف الدبلومسية المتبعة حيث اكتفى فقط بالتعبيرعن القلق والحث بطريقة الرجاء وليس الإلزام لواشنطن باعتبارها الدولة المضيفة لمنح التأشيرة للرئيس السوداني عبدالفتاح البرهان التزاما باتفاقية المقر الموقعة بين المنظمة الدولية وحكومة الولايات المتحدة الامريكية في العام 1947م ،عموما شكرا السيد الأمين العام للأمم المتحدة وشكر الله سعيكم فكل يوم تزداد بشكل لافت الهيمنة الامريكية على المنظمة الأممية الدولية وتلك قصة اخرى

(1)


والمؤسف ان واشنطن بكل أساليب الغطرسة المعروفة قد رهنت منح التأشيرة للرئيس السوداني مقابل الموافقة على هدنة إنسانية لمدة تسعين يوما لوقف المعارك المحتدمة في السودان التي نتجت لأكثر من ثلاث سنوات ونصف على تمرد قوات الدعم السريع على شرعية الدولة التي كانت جزءا منها.. حيث سكتت واشنطن عن كل الجرائم التي ارتكبتها هذه المليشيا على مسمع ومرآى العالم بل ان واشنطن سكتت عن كل مظاهر الدعم اللوجستي المستمر حتى الآن المصحوب بالادلة والقرائن التي شهدت بها منظمات حقوقية ذات صلة بمنظمة الأمم المتحدة وهئيات تحقيق تتصف بالاستقلالية بالاضافة لمجموعات من داخل الكنغرس الامريكي بعضها ينتمي للحزب الجمهوري الحاكم الآن.. أكدت ضلوع دولة الإمارات العربية المتحدة ليس في دعم وإسناد المليشيا المتمردة فحسب بل في تحويل دول جوار سوداني إلى منصات لذلك الدعم والاسناد (تشاد افريقيا الوسطى)
ليبيا الجنرال خليفة حفتر وجنوب السودان واثيوبيا ) ودول جوار الجوار السودان (كينيا ويوغندا) وقد زادت ابوظبي على ذلك على استجلاب المرتزقة الأجانب للقيام ببعض المهام كالاتزراق مقابل الاموال في صفوف التمرد والذين يتم استقدامهم عبر شركات مقاولة تعمل على استجلابهم واستقدامهم من بعض دول الساحل الافريقي خاصة المجموعات المعروفة ب (عرب الشتات) في بعض دول الساحل الافريقي، كما عمدت دولة الامارات العربية المتحدة على استجلاب المرتزقة من دول ماوراء البحار خاصة كولمبيا والتي في البدء قدمت مرتزقة مقاتلين (بندقجية) اعتذرت عن ما قاموا به الحكومة الكولمبية، ثم تطور الأمر بأن اصبح المرتزقة جزء اصيل في عمليات تدريب وتأهيل عناصر المليشيا ليس في المجال التقليدي فحسب بل في التدريب على استخدامات الطيران المسير واستعمال المضادات للطيران المسير الذي يستخدمه الجيش السوداني وطوال هذه الفترة الطويلة سكتت واشنطن عن كل تجاوزات القتل والسحل والاغتصاب وتهجير المدنيين وتدمير المرافق المدنية الحيوية بشكل ممنهج لتأتي لتتحدث عن مهلة تسعين يوما القاصى والداني يعلم انها ذريعة ليس إلا لإعادة ترتيب أوراق الدعم والاسناد للمليشيا المتمردة والتي استطاع الجيش السوداني والقوات المشتركة والمستنفرين تضييق الخناق عليها بشكل لافت جعلت واشنطن وابوظبي وحلفاءهما الظاهرين والمستتريين يحسون بقرب نهاية المليشيا فآثروا انقاذها بهدنة التسعين يوما.

(2)


إن ما حدث من عدم منح واشنطن للرئيس السوداني تأشيرة دخول لحضور فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومحاولة الابتزاز الرخيصة التي مارستها الولايات المتحدة الامريكية تشير بجلاء ووضوح إلى أن واشنطن مستمرة في سياسة لي الذراع مع السودان لتطويعه للاصطفاف مع رؤاها والتي لا تتسق مع الموقف السوداني المسنود بإرادة شعبية سودانية لاتقهر بالابتزاز الامريكي.
إن المواقف الامريكية هذه والتي تتسم بالكيل بمكيالين ففي الوقت الذي منحت فيه الرئيس الايراني تأشيرة دخول لأراضيها رغم أن حرب ايران لم تضع أوزارها ورفضت للرئيس السوداني لأنه خالف رؤاها في الحرب الماثلة في السودان وموقف واشنطن غير الحيادي منها المتحيز ضمنيا إلى مليشيا الدعم السريع والساكت عن داعميها (دولة الإمارات العربية المتحدة)..
تعيد الكرة مرة اخرى إلى ما طرح قبل اكثر من عقدين وتحديدا في منتصف تسعينيات القرن الماضي و بدايات هذه الالفية حول اصلاح وهيكلة المنظمة الدولية والتي لاحقتها بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة رياح الهيمنة الامريكية والتي افصحت عنها في مواقف تشابه موقف عدم منح الرئيس السوداني تأشيرة دخول الاراضي الامريكية وربط المنح بشرط امريكي يتسق مع مواقفها غير الحيادية تجاه قضايا معينة كقضية الحرب في السودان والتي من الواضح أن واشنطن تريد استثمارها وتجييرها لمصلحة طرف ثالث مواقفه تتسم بالولاء المطلق للسياسات الامريكية برغم انه لم يات لحضور الجمعية العام للامم المتحدة يحمل أي صك من صكوك شرعية تمثيل السودانيين إلا انه يحمل صك الرضاء الامريكي وكفى.. وهنا تكمن قمة تناقض المواقف الامريكية تمنح الدكتور عبدالله آدم حمدوك ورهطه مشروعية دخول أراضيها لأنه سميع مطيع وترفض لرئيس دولة معترف بها.
ويبدو أن أي محاولة من محاولات اصلاح الأمم المتحدة واخراجها من الهيمنة الاحادية الامريكية تحتاج لوقت طويل.
إذ ليس للمعالجة التي اصبحت في تقديري وتقدير الكثيرين من رابع المستحيلات وليس أمامنا إلا أن ننتظر حتى تتحقق المستحيلات الثلاثة ليحدونا الأمل في تحقيق المستحيل الرابع ولكننا نأمل اتخاذ ما يلزم تجاه ان يرصد الرأي العام العالمي بما تقوم به واشنطن تجاه المنظمة الدولية والدول الأعضاء المنضوية تحت لوائها والتي ينبغي لها ان تكون متمتعة بكل الامتيازات والحصانات التي تتمتع بها الدول الاعضاء وهذا الرصد المتوقع منها حتما سيخصم من رصيد الولايات المتحدة الامريكية بفرضية انها دولة مقرمنظمة الأمم المتحدة والتي كان يتعين عليها الالتزام التام بالواجبات التي تمليها عليها نصوص وبنود اتفاقية المقر الموقعة بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة الامريكية في العام 1947م التي تحث دولة المقر للقيام بكل الواجبات التي يتعين عليها اتخاذها وعملها تجاه المنظمة والدول الأعضاء فالتعبيرعن القلق وحده لا يوصل المنظمة الدولية إلى غاية الايفاء بكل واجباتها تجاه الدول الاعضاء طالما انها ملتزمة بكل ما يمليه عليها ميثاق الأمم المتحدة ولا يمكنها باداء ادوارها وفق المحددات القانونية والاعراف الدولية التي ترسخت منذ عام التاسيس 1945م حتى الآن.

(3)

بقراءة في متن اتفاقية المقر الموقعة بعد عامين من تأسيس الأمم المتحدة في العام 1947م يتضح بجلاء ووضوح انها تلزم الولايات المتحدة الامريكية بالتزامات الدولة المضيفة والتي يصبح خرقها وتجاوزها امرا لايتسق مع المحددات القانونية والقيمية والاخلاقية للعمل الدبلوماسي لاسيما انهامن احدى الدول الخمس الدائمة العضوية التي تتمتع بحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن.. بتقديري ان تعبير السيد الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش عن قلقه البالغ عن عدم منح الولايات المتحدة للرئيس السوداني عبدالفتاح البرهان تأشيرة دخول لبلادها لحضور فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة هذه الأيام بنيويورك المقر الدائم للمنظمة الدولية لايكفي إذ أن سكوت الأمانة العامة للمنظمة الدولية على الخروقات والتجاوزات الامريكية لاتفاقية المقر يعد امرا غير مبرر بل يمكن توصيفه بانه إهدار لحقوق منظمة الأمم المتحدة من جانب الولايات المتحدة الامريكية التي تلزمها اتفاقية المقر الموقعة بينها وبين الأمم المتحدة في 26يونيو 1947م حيث وافقت عليها الجمعية العامة للامم المتحدة في31نوفمبر1947م ودخلت حيز التنفيذ في21نوفمبر1947م والهدف المحوري في هذه الاتفاقية انها معاهدة دولية ملزمة لطرفيها (الامم المتحدة ) و (الولايات المتحدة الامريكية) يتمثل في حرمة المقرحيث يعد مقر منظمة الأمم المتحدة منطقة مصانة وحرما آمنا لا يخضع لسلطة القوانين المحلية الامريكية في كثير من الجوانب التنظيمية داخل اسوارها.
ولعل من أبرز واهم بنود اتفاقية المقر هو البند (11) والذي يقرأ:
تلتزم السلطات الامريكية بعدم وضع عوائق امام عبور دخول ممثلي الدول الأعضاء ومسئولي الأمم المتحدة إلى مقر المنظمة بغرض المشاركة في أعمالها.
وقد وضعت اتفاقية المقر محددا واضحا في البند (21) منها بأن يكون اللجئو للتحكيم هو الفيصل في حالة نشوء خلاف بين المنظمة والدولة المضيفة أن يتم اللجئو لالية للتحكيم في حالة حدوث خلاف بين الأمم المتحدة والدولة المضيفة بشأن تفسير او تطبيق الاتفاقية.
وواضح ان واشنطن قد جانبت الصواب في اشتراطها على شرط هدنة التسعين يوما لمنح الرئيس البرهان تأشيرة الدخول حيث انها خرجت على البند (11) من الاتفاقية بينما تنازل السيد الأمين العام عن اللجئو إلى التحكيم لمناهضة الموقف الامريكي الذي لم يقف على ساقين بل واضح انه تمادى في سياسة لي الذراع التي تستخدمها لتطويع الخارجين عن خطها العام الذي تنحاه في مع الدول غير المطيعة لسياساتها وغير المستجيبة لاهوائها.

(4)


ثارت الكثير من المناقشات والتساؤلات والقضايا القانونية والسياسية المتكررة حول امتناع الولايات المتحدة الامريكية عن منح تأشيرات دخول مسئولي بعض الدول الأعضاء مما يعتبر في نظر العديد من المراقبين ان مثل هذا المنع المتمثل في عدم منح تأشيرة الدخول لاغراض المشاركة في أعمال خاصة بالمنظمة الدولية يعد اختبارا لاستقلالية المنظمة الدولية والتزام الدولة المضيفة ببنود اتفاقية المقر وخاصة بندها رقم 11
وقد رفع الكثير من المراقبين للشأن الدولي حاجب الدهشة عندما رفضت إدارة ترامب منح الرئيس السوداني عبدالفتاح البرهان تأشيرة الدخول بينما منحتها للرئيس الايراني مسعود بزشكيان ووزير خارجية إيران عباس عراقجي بينما رفضت منح التاشيرة لبعض أعضاء الوفد الايراني (فريق الاعلام والاتصالات التابع للرئيس ) حيث وصفت وكالة الأنباء الايرانية المعروفة اختصار ب (ارنا) بالخطوة العدائية.. ومابين منع (البرهان) ومنح (بزشكيان) تكمن ازدواجية المعايير والكيل بالمكيالين التي تستخدمها الولايات المتحدة الامريكية والتي تقوم على نهج سياسة الجزرة والعصا التي تنتهجها.
ومن المضحكات التي رافقت حيثيات منع (البرهان) ومنح (بزشكيان)ان الخارجية الامريكية بررت منح الرئيس الإيراني تأشيرة الدخول (برغم ما فعل بينهما الدهر) في حرب إيران الماثلة حيث قالت إن واشنطن منحت الرئيس الإيراني( مسعود بزشيكان ) ووزير الخارجية الإيراني(عباس بزشكيان) وذلك التزاما بواجباتها التي نصت عليها الاتفاقية مع الأمم المتحدة باعتبارها الدولة المضيفة.