“الكهرباء رفاهية”.. كيف يعيش العائدون إلى الخرطوم؟
بعد لجوء استمر أكثر من ثلاثة أعوام في مصر، عادت أسرة فتح الرحمن محمد الجعلي إلى منزلها في أم درمان، إحدى مدن ولاية الخرطوم، عاصمة السودان.
ويقول الجعلي إن حال أسرته يشبه حال كثير من العائدين الذين وجدوا منازلهم “مجرد جدران”، معتبرا أن ذلك أهون من حال من لم يجدوا سوى الحطام.
وبعد عام على عودته، يرى أن أوضاع الخرطوم لا تزال تحتاج إلى معالجات واسعة، في ظل ارتفاع الأسعار وضعف الخدمات الأساسية، من كهرباء ومياه وصحة وتعليم.
ويشير، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن انقطاع الكهرباء بات يستمر لأكثر من 10 ساعات، حتى تحول التيار الكهربائي من خدمة ضرورية إلى رفاهية، على حد تعبيره.
ويضيف الجعلي، وهو أب لـ4 أطفال، أنه لو استطاع إرسال أبنائه إلى مكان آخر خارج السودان لفعل، بسبب تردي الخدمات وصعوبة الأوضاع المعيشية.
ملايين العائدين
أما محمد صلاح، وهو تاجر يعمل في مجال المواد الغذائية، فقد أرسل أسرته إلى إحدى الدول، لكنه بات يفكر في إعادتها إلى الخرطوم بسبب تراجع قيمة الجنيه السوداني وارتفاع تكلفة إعالتها في الخارج.
ويرى صلاح، في حديثه للجزيرة نت، أن الوضع في العاصمة أفضل من بقية الولايات، رغم التحديات المعيشية وضعف الخدمات الأساسية.
وتفيد إحصاءات المنظمة الدولية للهجرة بعودة نحو 2.27 مليون شخص إلى ولاية الخرطوم حتى نهاية يونيو/حزيران 2026، عاد معظمهم من مناطق نزوح داخل السودان، فيما قدم نحو 243 ألف شخص من الخارج.
وعلى مستوى السودان، بلغ عدد العائدين إلى مناطقهم نحو 5.15 ملايين شخص حتى 26 أغسطس/آب 2026، توزّعوا على 77 محلية في 9 ولايات، وفق تقرير للمنظمة الدولية للهجرة.
وبعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم وتحسن الوضع الأمني في أجزاء من العاصمة، شهدت المدينة عودة مؤسسات حكومية وسيادية وشركات خاصة، إلى جانب عدد من المستثمرين. لكن استئناف النشاط في بعض القطاعات لم يُنهِ التحديات التي تواجه السكان في حياتهم اليومية.
ففي جولة ميدانية على محطات الوقود، رصدت الجزيرة نت تكدس عشرات المركبات أمام بعض المحطات، فيما أُغلقت محطات أخرى بسبب عدم توافر الوقود.
وفي أحد صفوف الانتظار، يقول المواطن محمد الريح في حديثه للجزيرة نت، إن أزمة المحروقات من بين المشكلات التي تواجه السكان، وإنه قد يمضي قرابة يوم كامل في انتظار دوره للحصول على الوقود.
الخدمات واختبار العودة
وترى مديرة مشاريع التخطيط والبناء بمنظمة التنمية العمرانية السودانية فداء الدسوقي، أن تعافي الخرطوم يتطلب:
معالجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والخدمات.
ووضع مؤشرات لقياس ما أُنجز من إصلاحات ومدى كفايتها لاستيعاب العائدين.
وتؤكد فداء، في حديث للجزيرة نت، أن توفير المياه والكهرباء والصحة والصرف الصحي والأمن والغذاء يمثل أولوية لتشجيع العودة الطوعية.
وشددت على أهمية مشاركة المواطنين في إعادة الإعمار ضمن خطة إسعافية واضحة تحدد الأولويات والجداول الزمنية، وتعزز التعاون والشفافية بين إدارة الخرطوم والمجتمعات المهنية والتطوعية.
وتشير الدسوقي إلى أن بعض المؤسسات التعليمية، استأنفت نشاطها رغم افتقارها إلى الخدمات الأساسية وعدم التأكد من خلوها من مخلفات الحرب، فضلا عن أضرار الحرائق ومخاطر انهيار المباني، مما يثير مخاوف بشأن سلامة استئناف الدراسة.
وفي هذا السياق، يقول المدير العام للمركز القومي لمكافحة الألغام معتصم مكي محمد، إن عمليات جمع مخلفات الحرب وإزالتها أسفرت عن تفجير نحو 166 ألف ذخيرة وقذيفة، إلى جانب التعامل مع 213 ألفا غير منفجرة، فضلا عن 5 ملايين من الذخائر الصغيرة.
وأضاف للجزيرة نت أن عمليات البحث لا تزال مستمرة، محذرا من احتمالات وجود ألغام وذخائر غير منفجرة في المناطق التي لم يعد إليها سكانها وفي مباني الشركات التي لم تستأنف نشاطها بعد.
وفيما يتعلق بأزمة التيار الكهربائي، يقول المهندس السابق بالشركة السودانية للكهرباء عمر عبد الله، إن عودة السكان بوتيرة متسارعة تفرض الحاجة إلى تطوير الخدمات بما يتناسب مع زيادة الطلب عليها.
ويوضح، في حديثه للجزيرة نت، أن إعادة توصيل الكهرباء إلى المناطق التي تضررت خلال الحرب تتطلب تمديد خطوط الشبكة، وهو ما قد يؤثر في استقرار التيار الكهربائي ببعض المناطق الأخرى.
استعادة الخدمات
وفيما يتعلق بجهود استعادة الخدمات، قال والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، خلال تدشين المنظومة الرقمية بالولاية، إن نسبة كبيرة من الخدمات الأساسية أُعيدت، لكنها لم تصل بعد إلى المستوى المُرضي للحكومة والمواطنين.
وأوضح أن إمدادات المياه باتت تصل إلى غالبية المناطق، رغم استمرار الانقطاعات، مشيرا إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في ضمان وصول الخدمات إلى المواطنين وتمكينهم من الاستفادة منها بصورة مباشرة. كما لفت إلى أن إعادة الإعمار عملية معقدة تتطلب مواكبة التطورات في مجال الأمن الرقمي.
وبينما تتواصل عودة السكان إلى الخرطوم، تكشف إفادات العائدين عن استمرار تحديات تتعلق بالكهرباء والوقود وارتفاع تكاليف المعيشة، في وقت تقر فيه السلطات بأن استعادة الخدمات الأساسية لم تكتمل بعد.
غير أن المدير العام لوزارة الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، نفى وجود قصور في جهود إعادة الإعمار وتعافي العاصمة، وقال إن حكومة الولاية عملت على تهيئة الأوضاع المعيشية عبر إعادة افتتاح الأسواق التي تأثرت بالحرب.
وأوضح سعد الدين، في تصريح للجزيرة نت، أن الولاية أولت قطاعي الكهرباء والمياه اهتماما باعتبارهما من أبرز مقومات الحياة اليومية، كما سيّرت رحلات مجانية للمساعدة في عودة المواطنين إلى منازلهم.