
قمة العلمين… خطوة على الطريق الصحيح
لمياء موسى
*في منطقة تتشابك فيها الأزمات إلى الحد الذي يصعب معه الفصل بين أمن دولة واستقرار أخرى، لم يعد السودان بمعزل عن أمن البحر الأحمر، ولا ملفات المياه منفصلة عن حسابات السيادة والتجارة، كما لم يعد استقرار القرن الأفريقي شأنًا محليًا يمكن احتواؤه داخل حدود دولة.. هكذا تتقاطع المصالح وتتشابك المخاطر، في إقليم يمر بواحدة من أكثر لحظاته تعقيدًا وحساسية.
*ولذلك جاءت قمة العلمين، التي جمعت مصر والسودان وإريتريا والصومال حول طاولة واحدة، لبحث ملفات تتجاوز في طبيعتها حدود كل دولة، وتفرض بحكم الجغرافيا والمصالح المشتركة قدرًا أكبر من التشاور والتنسيق.. وربما تكمن أهمية القمة، قبل أي شيء، في أنها أعادت طرح فكرة الحوار الإقليمي بوصفه ضرورة سياسية، لا مجرد خيار دبلوماسي، وفتحت مساحة مشتركة للنظر في أزمات باتت مترابطة بصورة تجعل التعامل معها منفردة أقل قدرة على إنتاج حلول مستدامة
قد لا تكون قمة العلمين نقطة تحول مكتملة الأركان، ولا يمكن اختزال تعقيدات الإقليم في بيان مشترك، لكن قيمتها الحقيقية تكمن في كونها بداية لمسار كان غيابه أكثر كلفة من صعوبة استكماله.. فبين اختلاف المصالح ووحدة المخاطر، تظل القدرة على بناء آلية منتظمة للتشاور والتنسيق هي الاختبار الأصعب.
*لم تقتصر القمة على جمع الأطراف، بل امتدت إلى ما حمله البيان المشترك من رسائل سياسية واضحة، في مقدمتها التأكيد على الالتزام بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول واستقرارها، باعتبارهما قاعدة لا غنى عنها لأي تصور للأمن الإقليمي.. وقد حظي السودان بمساحة بارزة من النقاش، من خلال التأكيد على دعم وحدته وسيادته.
*ولقد امتد هذا التأكيد إلى الصومال، بما يضع مبدأ احترام الحدود والسيادة الوطنية في قلب الرؤية المشتركة للدول المشاركة.. كما حضرت أيضًا قيم حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والاحتكام إلى الحلول السلمية في إدارة الصراعات.. لم تتعامل القمة مع الأمن باعتباره مفهومًا عسكريًا فحسب، بل ربطته بمسارات التنمية، من خلال الدعوة إلى تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية والثقافية وتعزيز التنمية المستدامة.
*ولم يكن البحر الأحمر بعيدًا عن هذه الرؤية؛ إذ أكدت القمة مبدأ حرية الملاحة، مع التشديد على أن حوكمة البحر الأحمر تظل مسؤولية حصرية للدول الساحلية. وبالمثل، جاء التأكيد على احترام قواعد القانون الدولي المنظمة للأنهار العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل.. وبذلك، تبدو الرسالة الأوسع للقمة قائمة على فكرة بسيطة في صياغتها، لكنها شديدة التعقيد في تطبيقها: أن استقرار الإقليم لا يمكن أن يقوم على حساب سيادة دوله، وأن المصالح المشتركة لا تعني تجاوز القانون الدولي، بل الاحتكام إليه باعتباره الإطار الذي يمكن من خلاله إدارة الخلافات وحماية المصالح المتباينة.
*لكن السؤال الأهم: ماذا تعني هذه الرسائل فعليًا لكل من مصر والسودان والصومال وإريتريا؟ فليس من قبيل المصادفة أن تتجاور في وثيقة واحدة ملفات متفرقة.. لكن هذه الملفات، وإن بدت منفصلة في ظاهرها، تتحرك داخل مساحة جغرافية واستراتيجية واحدة، وتتأثر كل منها بالأخرى.. تبدو القمة بالنسبة لمصر امتدادًا لرؤية تعتبر أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي والأمن المائي دوائر مترابطة بأمنها القومي، إذ يضع عددًا من المصالح المصرية الأساسية داخل إطار إقليمي مشترك، بدلًا من أن تظل كل قضية منها محكومة بمسار تفاوضي منفصل.
أما الرسالة الأكثر مباشرة، فهي أن الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها ليس شأنًا سودانيًا داخليًا فحسب، وإنما بات جزءًا من تصور أوسع لأمن الجوار.. فرفض إنشاء كيانات موازية، ودعم المؤسسات الوطنية، والتأكيد على أن يكون المسار السياسي سودانيًا بقيادة سودانية، تعكس محاولة لمنع تحول الانقسام الداخلي إلى واقع سياسي دائم يعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة. وهنا تصبح استعادة الدولة لوظيفتها ومؤسساتها شرطًا ليس فقط لإنهاء الصراع، وإنما أيضًا لإعادة بناء البيئة الإقليمية المحيطة بالسودان.
*تحمل القمة أهمية خاصة؛ لأنها وضعت مسألة الصومال ووحدة أراضيه وسيادته في صلب التفاهم الرباعي، بالتوازي مع دعم مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على بسط سلطتها على كامل الأراضي. كما ربط الإعلان بين الاستقرار السياسي والأمني وبين دعم جهود مكافحة الإرهاب واستكمال عملية انتقال المسؤوليات الأمنية إلى القوات الصومالية. وبذلك، لا تبدو مسألة السيادة هنا شعارًا قانونيًا مجردًا، وإنما جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بقدرة الدولة الصومالية على تثبيت مؤسساتها وحماية أراضيها وموقعها في منظومة أمن القرن الأفريقي.. أما إريتريا، فتكتسب القمة بالنسبة إليها دلالة مختلفة؛ فهي دولة ساحلية ذات موقع مباشر على البحر الأحمر، ومن ثم فإن التأكيد على أن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة يلامس موقعها ومصالحها الاستراتيجية بصورة مباشرة. كما أن وجودها إلى جانب مصر والسودان والصومال يمنحها مساحة تشاور إقليمية جديدة في وقت تتزايد فيه حساسية التفاعلات حول البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ومن ثم، يمكن قراءة المشاركة الإريترية باعتبارها جزءًا من سعي الدول الأربع إلى بناء تصور أمني إقليمي تكون فيه للدول المطلة على البحر الأحمر مساحة أكبر في تحديد ترتيباته ومصالحه.
*واللافت أن القمة لم تقدم هذه الملفات باعتبارها ساحات متنافسة، بل وضعتها داخل إطار واحد عنوانه السيادة مقابل الفوضى، والتنسيق مقابل التدخل، والقانون الدولي مقابل الإجراءات الأحادية.. وهذه ربما هي الرسالة السياسية الأهم في العلمين: أن الدول الأربع تحاول، عبر تقاطع مصالحها، الانتقال من مجرد التعامل مع أزمات متجاورة إلى بناء تصور مشترك للأمن الإقليمي.. لكن نجاح هذا التصور لن يُقاس بعدد البنود التي تضمنها البيان، وإنما بقدرته على الصمود أمام الاختبارات العملية، وتحويل التشاور الدوري إلى تنسيق فعلي، والمبادئ المعلنة إلى مواقف وسياسات يمكن قياس أثرها على الأرض.. بالإضافة إلى أن التفاهمات الإقليمية لا تُختبر في لحظة التوافق، وإنما في لحظة الاختلاف. وهنا تحديدًا يبدأ السؤال الأصعب: ما الذي يمكن أن يهدد التفاهم الذي خرجت به قمة العلمين؟.
*ربما يكون أول هذه التحديات هو اتساع الفجوة بين المبادئ المعلنة والوقائع المتحركة على الأرض. فالإقليم المحيط بها يتحرك في اتجاه شديد التعقيد؛ فالتوتر بين إثيوبيا وإريتريا تصاعد بصورة حادة، وتجدد القتال في إقليم تيغراي، فيما تتمسك أديس أبابا بأهمية الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، وهي مسألة تمس بصورة مباشرة حسابات إريتريا والصومال والسودان ومصر.. ويأتي ملف مياه النيل باعتباره اختبارًا آخر لهذا التفاهم.. فإعلان العلمين لم يسمِّ إثيوبيا، لكنه أكد بوضوح مبادئ القانون الدولي للأنهار العابرة للحدود، وعلى رأسها عدم الإضرار، والإخطار والتشاور، ورفض الإجراءات الأحادية التي تضر بدولتي المصب.. وهذه الصياغة تجعل ملف المياه لا مجرد خلاف فني حول إدارة مورد مائي، بل اختبارًا عمليًا لمدى قدرة هذا التفاهم على ترجمة مبادئه السياسية والقانونية إلى مواقف مشتركة.
*أما البحر الأحمر، فقد يمثل بدوره ساحة اختبار أكثر حساسية.. فالتأكيد على أن حوكمته مسؤولية حصرية للدول الساحلية يحمل دلالة واضحة على أهمية الدور الإقليمي في تحديد ترتيبات أمنه، لكنه يأتي في بيئة تتداخل فيها مصالح دول غير ساحلية وقوى دولية وإقليمية، إلى جانب اعتبارات التجارة والموانئ والممرات البحرية.. ومن ثم، فإن الحفاظ على الموقف الرباعي يتطلب قدرًا من التنسيق لا يقتصر على البيانات السياسية، وإنما يمتد إلى كيفية إدارة الأزمات عندما تتعارض المصالح أو تتغير موازين القوى.. ثم حرب السودان، التي تظل أكبر اختبار لفكرة دعم الدولة ومؤسساتها. فكلما طال أمد الصراع واتسعت دائرة الأطراف المتداخلة فيه، أصبح الحفاظ على موقف إقليمي موحد تجاه وحدة السودان وسيادته أكثر تعقيدًا. ولذلك، فإن نجاح التفاهم الرباعي لن يتوقف فقط على الاتفاق على المبادئ، وإنما على قدرة الدول الأربع على الحفاظ على قدر من الاتساق في مواقفها عندما تفرض تطورات الميدان حسابات مختلفة على كل عاصمة.
*ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام قمة العلمين ليس العثور على نقاط الاتفاق؛ فقد عُثر عليها بالفعل، ووُضعت في إعلان مشترك، بل جرى الاتفاق أيضًا على إنشاء آلية لمتابعة المخرجات وعقد الاجتماعات بصورة دورية. التحدي هو تحويل هذا الاتفاق إلى قدرة جماعية على إدارة الخلافات قبل أن تتحول إلى أزمات، وعلى منع الأزمات المحيطة من تفكيك مساحة التوافق التي نشأت بينها.. ومن ثم، فإن أهمية العلمين قد لا تكون في أنها قدمت حلًا لأزمات المنطقة، وإنما في أنها طرحت، بوضوح، سؤالًا أكثر جوهرية: هل يمكن لدول تتقاطع مخاطرها ومصالحها أن تبني، عبر الحوار والتنسيق، مساحة مستقرة لإدارة خلافاتها وحماية أمنها المشترك؟..إذا نجحت الدول الأربع في الإجابة عن هذا السؤال بالفعل، فقد تكون قمة العلمين قد تجاوزت حدود المناسبة الدبلوماسية لتصبح بداية لمسار إقليمي جديد.. أما إذا بقيت مخرجاتها في حدود البيانات والتفاهمات، فسوف تظل مجرد لحظة توافق في إقليم اعتاد أن تعصف به التقلبات قبل أن تكتمل فيه الترتيبات.