المعاشيون يكسبون دعوى قضائية ضد وزارة المالية..نصف مليون معاشي يعيشون أوضاعا مؤلمة (2)
الجهاز المركزي للإحصاء: حوجة الأسرة المكونة من 5 أفراد 800 ألف جنيه في الشهر
تآكل المعاش بنسبة 90 في المائة بعد الحرب.. وشريحة المعاشيين اكبر المتضررين
إتحاد المعاشيين: رفعنا 12 مذكرة للحكومة لرفع الحد الأدنى للمعاش من 30 إلى 150 الف جنيه دون جدوى
معلم: المعلمون بعد المعاش اصبحوا بلا هيبة امام أسرهم لعدم قدرتهم الصرف عليهم
(الصور)
حشد من االمعاشيين ينتظرون صرف المعاشات.. منتهى المعاناة
الصندوق القومي للمعاشات فرع ولاية الخرطوم
تحقيق ــ التاج عثمان:
معاناة المعاشيين أصبحت لا تطاق اصبحنا لا نستطيع توفير أبسط مستلزمات أسرنا المعيشية ناهيكم عن العلاج والتعليم وغيرها من النفقات الضرورية. هكذا حدثني بعض المعاشيين عن معاناتهم والتي وصفوها بانها معاناة لا تطاق.. فالمعاش الشهري الذي يتقاضه معظم المعاشيين الان لا يساوي سوى وجبة واحدة في اليوم.. هذا بإختصار نموذج مختصر لمعاناة المعاشيين في ظل موجة الغلاء الحالية والتي تآكلت بسببه المعاشات .. التحقيق الصحفي الإستقصائي الذي أجرته (أصداء سودانية) يكشف معلومات مؤلمة ويزيح الغطاء عن ويلات ومآسي هذه الشريحة المنسية في مقدمتها إنتشار الأمراض النفسية وحالات الإكتئاب وسط المعاشيين الذين يقدر عددهم الان بنحو 500 الف معاشي على مستوى السودان.
إتهام ورد:

من خلال الحلقة الاولى إستعرضنا نماذج واقعية لمعاناة المعاشيين خاصة بعد الحرب بسبب تآكل المعاشات مقابل التدهور المستمر و(الغامض) في قيمة الجنيه السوداني مقارنة بالعملات العالمية الاخرى.. عدد من المعاشيين إتصلوا بالصحيفة يرون ان إتحاد المعاشيين يتحمل جانب من معاناة شريحة المعاشيين لعدم الضغط على الحكومة لنيل حقوقهم الضائعة، حسب وصفهم.. مشيرين ان هذا الواقع نجم من إنقسام إتحاد المعاشيين نفسه، فهناك إتحاد مركزي ببورتسودان، وإتحاد في الخرطوم، وثالث بولاية الجزيرة، كل إتحاد يعمل لوحدة دون تنسيق مع الإتحادات المذكورة الاخرى، بينما الحكومة تتعامل مع المعاشيين ومطالبهم ببعض التجاهل والإستخفاف، وكشريحة غير منتجة، حتى لو أعلنوا مثلا الإضراب فسيكون غير مؤثر، عكس إضراب المعلمين مثلا
إتحاد المعاشيين من جانبه يرد على إتهام بعض المعاشيين له من ناحية عدم الضغط على الحكومة لنيل حقوقهم المختلفة، مشيرا انه طالب برفع الحد الادنى للمعاش، لكن ليس هناك إستجابة من الحكومة.. فخلال الثلاث سنوات الماضية رفع إتحاد المعاشيين اكثرمن 12 مذكرة لرئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء ببورتسودان، طالب فيها برفع الحد الادنى للمعاش من 30 ألف إلى 150 ألف جنيه كمرحلة أولى، وآخر مذكرة كانت في يونيو 2025 جاء فيها:
ــ معاش 30 الف جنيه في الشهر أصبح لا يساوي ثمن 2 كيلو سكر.. وتم تنظيم وقفة إحتجاجية امام جلس الوزراء في بورتسودان شارك فيها اكثر من 200 معاشي أغلبهم فوق السبعين.. كما رفع الإتحاد دعوى ضد وزارة المالية لعدم تطبيق القانون الذي يشير، أن المعاش يساوي 80 في المائة من آخر مرتب، والمحكمة حكمت لصالح المعاشيين، لكن وزارة المالية لم تنفذ الحكم بحجة (لا توجد سيولة.
ــ صرف متأخرات 14 شهر لبعض معاشيي الولايات.
ــ إرجاع الملفات المفقودة إلكترونيا حتى لا يذهب المعاشي لبورتسودان لمتابعة ملفه المعاشي المفقود.
ــ نجح إتحاد المعاشيين الحصول على سلفية 500 الف جنيه للمعاشي تخصم على 24 شهر، بجانب منحة عيد الأضحى مبلغ 50 الف جنيه، إضافة لسكر رمضان بالتقسيط، لكنها كانت مجرد مسكنات.
ــ طالب الإتحاد بإرجاع بطاقة التأمين الصحي المجانية للمعاشي وأسرته، والتي توقفت منذ بداية الحرب عام 2023، وعادت جزئيا بولايتي نهر النيل والشمالية، لكنها لم ترجع لمعاشيي ولاية الخرطوم.
ضآلة المعاشات:
المعاش الشهري اصبح لا يغني ولايسمن من جوع، هكذا حدثني احد المعاشيين بلهجة حادة غاضبة.. وله حق في ذلك ، فاقل معاش في حدود 24 ــ 30 الف جنيه في الشهر، وهذا خاص بالمعلمين، والعمال، والفراشين، والجنود، وهو يساوي 10 ــ 12 دولار عندما كان سعر الدولار 2500 جنيه والان اصبح يساوي اقل من صفر.. واكبر معاش في حدود 150 ــ 220 الف جنيه في الشهر، وهذا خاص بالدرجات العليا، ووكلاء الوزارات، واللواءات، وقضاة المحكمة العليا، والأساتذة الجامعيين في الدرجة الاولى.
معلوم ان موازنة 2026 أقرت برفع الحد الأدنى للمعاش إلى 450 الف جنيه في الشهر، إضافة لعلاوة 80 ألف جنيه، إلا ان إتحاد المعاشيين قال مؤخرا:( على أرض الواقع لم يصلنا شيئ سوى المبالغ القديمة).. ويعزي بعض الإقتصاديين المتابعين لقضايا المعاشيين، ان الفرق الكبير بين اقل واكبر معاش يعود إلى ان المعاش في السودان يحسب بـ(80) في المائة من آخر مرتب، مثلا العامل الذي كان آخر مرتب له 35 ألف جنيه، سيكون معاشه 28 ألف جنيه في الشهر، ووكيل وزارة مثلا كان آخر مرتب له 250 ألف جنيه في الشهر، سيكون معاشه 299 ألف جنيه.. لكن بعد تدهور قيمة الجنية السوداني أصبح ليس هناك فرق بين اكبر واقل معاش، فكل المعاشيين المدير او وكيل الوزارة او العامل البسيط كلهم (في الهوا سوا)، فكل المعاشيين بمختلف درجاتهم الوظيفية السابقة يعانون الفقروالعوز.. فأكبر معاش لا يشتري للمعاشي الان جوالى سكر وجركانة زيت طعام.
المعاش تآكل بنسبة 90 في المائة بعد الحرب، هذه حقيقة ماثلة للعيان يعاني منها المعاشيين وغير المعاشيين حاليا.. يؤكد ذلك ما توصل إليه الجهاز المركزي للإحصاء، وهو الجهة الرسمية المسؤولة عن جمع البيانات والمعلومات الإحصائية وإعدادها وتجهيزها ونشرها وإضفاء الصبغة الرسمية على الأرقام الإحصائية في البلاد حيث أشار: (حوجة الأسرة الواحدة المكونة من 5 أفراد لا تقل عن 800 ألف جنيه في الشهر)، فما بالكم بالمعاشي الذي يتقاضى معاش شهري 30 ــ 50 ألف جنيه.. تصريح لرئيس إتحاد معاشيي ولاية الجزيرة يجسد معاناة المعاشيين الحالية بقوله: (الدولة إستقطعت منا 17 في المائة من مرتبنا لمدة 40 سنة حتى نرتاح في الكبر.. اليوم الكبر جا والراحة ما جات.
المعلمون من المعاشيين معاناتهم اكبر من غيرهم، لضآلة مكافأة نهاية الخدمة، كالفئات الاخرى.. معلم عبر عن واقع المعلمين بعد نزولهم المعاش قائلا: بعد المعاش اصبح المعلم بلا هيبة إجتماعية امام ابنائه لأنه اصبح بعد المعاش غير قادرا على الصرف عليهم.. والوضع المأساوي تعاني منه المعلمات الارامل اللاتي توفي أزواجهن، فمعاشهن الضئيل إضافة لمعاش الزوج المتوفي يعجز عن معيشة الأبناء خاصة إذا توفى الزوج وترك أطفاله صغارا لا حول لهم ولا قوة، فلا تجد الزوجة المعلمة بالمعاش سوى الإنخراط في اعمال هامشية لم تكن متعودة عليها أثناء حياة زوجها، وما تتحصل عليه لا يكفي حتى نفقات معيشة إسبوع واحد.. إحدى المعلمات المعاشيات عبرت عن هذا الواقع المُر الذي يُطبق حاليا على أعناق المعلمات المعاشيات، وحتى الأرامل اللائي توفي أزواجهن غير المعلمين ويتقاضين معاشات أزواجهن المتوفين، عبرت عن ذلك بقولها:( علمناهم يكتبوا وطن.. والوطن نسى يكتب لينا معاش يعيشنا).