
السودان وموسكو وساعة الحقيقة الجيوسياسية
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
*يقف العالم اليوم على أعتاب مرحلة تاريخية فارقة تعيد تشكيل توازنات القوة والنفوذ، مرحلة يسعى فيها النظام الدولي المتعدد الأقطاب إلى ترسيخ أركانه على حطام الاحتقار الغربي لسيادة الدول وتراجع مرتكزات ميثاق الأمم المتحدة.. وفي قلب هذه التحولات الجيوسياسية المتسارعة، تأتي مشاركة السودان رفيعة المستوى بقيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، في القمة الروسية – الأفريقية الثالثة بموسكو، لتضع الدولة السودانية أمام لحظة فارقة تتجاوز حدود البروتوكولات الدبلوماسية التقليدية واللقاءات الاستعراضية، تسبر غور الشراكات المصيرية التي تحدد مستقبل البقاء الوطني وصمود الدولة المؤسسية.
*إن الدبلوماسية في أوقات الأزمات الوجودية لا تُقاس بعدد الصور التذكارية أو بالمجاملات الرسمية في أروقة الفنادق الفخمة، بل تُقاس بالنتائج الملموسة والوثائق الملزمة التي تُترجم إلى استقرار سياسي وأمني، وإلى طحين ووقود يمسك برمَق الشارع. غادر البرهان إلى العاصمة الروسية على رأس وفد سيادي وأمني وعسكري رفيع، يضم وزيري الخارجية والمالية، والمدير العام لجهاز المخابرات العامة، والمدير العام لمنظومة الصناعات الدفاعية، وبصحبة سفير السودان لدى روسيا محمد الغزالي التجاني سراج، للتباحث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومخاطبة القمة.. غير أن هذه التظاهرة الدولية تعقد في ظل واقع استثنائي: السودان يخوض حرب استنزاف وجودية ضد مليشيا إرهابية تدعمها قوى إقليمية ودولية نافذة، بينما تسعى موسكو إلى تقديم نفسها كعراب ونواة لنظام عالمي جديد يكسر الهيمنة الأحادية والابتزاز السياسي.
*في محفل جامع يضم أكثر من 36 من قادة الدول والحكومات الأفريقية، تتجه الأنظار نحو الكلمة التي سيلقيها رئيس مجلس السيادة الانتقالي.. وهنا ينبغي للخطاب السوداني أن يخرج تماماً عن النص الكلاسيكي للمطالبات الأفريقية المعتادة. فالغالبية العظمى من القادة الأفارقة يقفون على منصة القمة لينادوا بتدفق المساعدات وتسهيل القروض وجلب الاستثمارات التنموية. أما السودان، فيقف في موقع استثنائي وفريد؛ إنه الدولة الوحيدة في القاعة التي تخوض حرب وجود وتسطر بدمائهم ملحمة الحفاظ على وحدة التراب الوطني، والدولة الوحيدة التي تواجه مخططات تقسيم وتفتيت ممولة ومدعومة من أطراف إقليمية كالإمارات وضغوط غربية وأمريكية متواصلة، واستطاعت صياغة نموذج نادِر الصمود عبر مؤسستها العسكرية الشرعية وقواتها المسلحة والمساندة.
*لذلك، يجب ألا يأتي الخطاب أمام بوتين والقادة الأفارقة بلغة الاستجداء، بل بلغة العرض والتكافؤ والاستثمار الاستراتيجي.. إن السودان لا ينتصر لنفسه فحسب، بل يرسخ مبدأً قارياً خالداً مفاده أن إرادة الشعوب لا تقهر وأن أفريقيا لم تعد ساحة قابلة للتقسيم وإملاء الشروط. السودان يملك ما لا تملكه أي دولة أخرى في المنطقة: شريط ساحلي يمتد لـ 750 كيلومتراً على البحر الأحمر – أهم الممرات المائية وأكثرها حيوية في العالم – خالٍ من القواعد الأمريكية، إضافة إلى مئات الملايين من الأفدنة الزراعية الصالحة للطعام، و ثروات تعدينية تتجاوز 100 طن من الذهب سنوياً، وجيش متمرس جاهز ليصبح الشريك الأمني الأكثر اعتمادية لروسيا في القارة السمراء.
*إن الرسالة الروسية الأفريقية يجب أن تتمحور حول المقايضة العادلة الشريفة: الفيتو السياسي مقابل الصوت والموقع، والسلاح والتكنولوجيا مقابل المنافذ الاستراتيجية والذهب، والتكامل الاقتصادي المباشر مقابل سيادة صلبة لا تقبل التجزئة.
*تطرح القمة أمام قادتها وثائق إستراتيجية تتضمن الإعلان السياسي للقمة، والإعلان الخاص بالذكاء الاصطناعي، وخطة عمل الشراكة للسنوات 2027-2029، والتي تشمل جوانب الاقتصاد الرقمي ورقمنة الموارد الطبيعية وتنزيل أجندة الاتحاد الأفريقي 2063 (“أفريقيا التي نريد”). لكن الثقل الحقيقي لهذه الزيارة يتجسد في اللقاء الثنائي بين عبد الفتاح البرهان وفلاديمير بوتين؛ الرئيس الروسي رجل يحترم القوة والوضوح والصفقات المحددة التي تحقق المنافع الجيوسياسية المتبادلة.
*إن النجاح الحقيقي للوفد السوداني في موسكو، وفق ما ينادي به المواطن السوداني ويترقب الشارع، يتطلب الخروج بـ (حزمة موسكو) المكونة من ثلاثة توقيعات إستراتيجية مكتوبة ومُخرجة للتنفيذ المباشر وتشمل: إعلان سياسي لحماية وحدة التراب السوداني لتكون وثيقة ملزمة تقضي بفرض روسيا حق النقض (الفيتو) تلقائياً في مجلس الأمن الدولي ضد أي قرار يستهدف سيادة السودان، أو يفرض عقوبات جائرة تشمل كامل أراضيه (كما تجلى في الموقف الروسي المشرف والأخير ضد توسيع نطاق القرار 1591)، أو يعترف بأي كيانات أو حكومات موازية تُصنع في الخارج، مما يقتل مشروع التقسيم في مهدِه، وتطبيق اتفاقية (القمح مقابل الذهب)، آلية تبادل تجاري ثنائية مستدامة تعتمد المقايضة المباشرة وتتجاوز هيمنة الدولار ونظام (سويفت)، بحيث تُخصص شحنات الذهب السوداني لقاء القمح الروسي، بما ينعكس فوراً على القوت اليومي للمواطن السوداني ويخفض أسعار الخبز والمواد الأساسية بنسب ملموسة، وتناول مصفاة بورتسودان والمحطة اللوجستية بالتوقيع على إنشاء مصفاة نفط روسية حديثة بطاقة استيعابية تصل إلى 100 ألف برميل يومياً في بورتسودان، مقابل منح موسكو محطة تزود لوجستية وحيوية، مما يؤمن حاجات البلاد من الوقود والمشتقات النفطية، ويضمن لروسيا موطئ قدم استراتيجي دائم على مياه البحر الأحمر.
*كي تتحول الاتفاقيات من حبر على ورق إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع، يجب ألّا يقتصر الفعل الدبلوماسي على النخبة الوزارية فقط. اللجنة الحكومية المشتركة للتعاون الاقتصادي والتجاري – والتي كانت روسيا أول دولة تعقد معها لجنة وزارية عقب اندلاع الحرب في سبتمبر 2025 ووضعت خارطة طريق عبر بروتوكول دورتها الثامنة – تحتاج إلى الذراع التنفيذي للقطاع الخاص. إن مشاركة قيادات بنك السودان المركزي لتفعيل اتفاقيات التبادل بالعملات الوطنية (الروبل مقابل الجنيه السوداني)، إلى جانب مدراء هيئة الموانئ البحرية، وشركة المعادن، وكبار تجار المواد الغذائية والنفط السودانيين، تمثل الضمانة الوحيدة لتنفيذ “خارطة الطريق” في مجالات الطاقة، والتعدين، والزراعة، والبنية التحتية.
*وفي المقابل، تتطلب الحنكة السياسية الحذر الشديد من الألغام والشراك الدبلوماسية التي تتربص بهذه الزيارة. إن نفوذ بعض القوى الإقليمية، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة، يمتد عبر شبكات اقتصادية ولوبيات ضغط في العواصم الكبرى، وسيحاول حتماً تشويش المقاربة السودانية عبر إشاعة عدم الاستقرار أو تعطيل المسار الثنائي.. والرد السوداني الحاسم يجب أن يركز على مقولة حاسمة: السودان اليوم أشد تماسكاً وأكثر قدرة على حماية الاستثمارات الوطنية من ساحات أخرى تُضخ فيها الأموال وسط السيولة الأمنية. كما ينبغي قطع الطريق أمام أي مقترحات لاتفاقيات ثلاثية تضم أطرافاً تورطت في دماء السودانيين أو مولت المليشيات؛ فالعلاقة مع موسكو يجب أن تظل ثنائية، مباشرة، ونقية من أي اختراق.
*عندما يُطوي بساط القمة وتعود الطائرة الروسية إلى الخرطوم أو بورتسودان، لن يكون الشعب السوداني بحاجة إلى سماع المفردات المنمقة والبيانات الانشائية الشائعة حول الزيارة الناجحة والمثمرة.. إن الشعب السوداني الذي صمد أمام الرصاص في الخرطوم وشتى الولايات، وتحمل المعاناة الاقتصادية والنزوح دون أن يتنازل عن دعم مؤسساته الشرعية وقواته المسلحة، يستحق الشفافية المطلقة.. يجب على القيادة أن تخاطب المواطن بالأرقام والحقائق: كم طناً من القمح تم تأمينه؟ ومتى ستصل الشحنات الأولى؟ ما هي المواعيد الزمنية لبدء تشييد مصفاة بورتسودان؟ وما هي حدود الدعم السياسي والعسكري الروسي لمواجهة قرارات الحظر والتدخلات التفتيتية؟.
*تأتي هذه القمة والرئاسة السودانية تستند إلى إرادة شعبية صلبة وسبعين عاماً من العلاقات الدبلوماسية الممتدة مع روسيا الاتحادية. لقد أثبتت التجربة المعاصرة أن الباطل إلى زوال، وأن الدول التي تتمسك بسيادتها وتدافع عن مؤسساتها الشرعية بكرامة شجاعة هي فقط من تجبر القوى الكبرى، وعلى رأسها روسيا وبوتين، على احترامها والتعامل معها كحليف استراتيجي ندّي لا بديل عنه. لقد حان الوقت لترجمة المعارك الميدانية والصمود الوطني إلى مكاسب جيوسياسية واقتصادية تُثبّت أركان الدولة السودانية وتؤمن مستقبل أجيالها.