
الخرطوم وأديس أبابا على حافة أزمة جديدة
عمرو خان
*يدخل التوتر بين السودان وإثيوبيا مرحلة أكثر تعقيدًا، مع انتقال الخلافات من دائرة التجاذبات السياسية إلى تبادل اتهامات تتصل مباشرة بالأمن القومي للبلدين.. ففي الوقت الذي تتهم فيه أديس أبابا الخرطوم بدعم قوات تيجراي والقوى المتحالفة معها في مواجهتها مع حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، تتهم السودان إثيوبيا بتقديم دعم لوجستي لقوات الدعم السريع، واستخدام أراضيها منصة لإطلاق طائرات مسيرة انتحارية تستهدف منشآت حيوية داخل السودان- بحسب ما جاء في بيان الخارجية السودانية: إن مطار أصوصا داخل الأراضي الإثيوبية يُستخدم لاستضافة منصات صواريخ.
*وتكتسب هذه الاتهامات خطورتها من طبيعة الأهداف التي تقول الخرطوم إنها تعرضت للهجمات، وفي مقدمتها محطات توليد الكهرباء، إذ تحدثت عن استهداف نحو خمس محطات في مناطق مختلفة داخل ولاية الخرطوم ومدن أخرى.. وإن إثبات هذه الاتهامات، يعني انتقال تداعيات الحرب السودانية إلى مستوى إقليمي أكثر اتساعًا، بما يهدد بتحويل الأراضي الإثيوبية إلى ساحة مؤثرة في مسار الصراع.
*خفض التصعيد..خيار تفرضه حسابات الجبهة الداخلية: في هذا السياق، يعكس بيان وزارة الخارجية السودانية، المعنون (السودان يتمسك بخفض التصعيد مع إثيوبيا ويحذر من المساس بسيادته)، محاولة للفصل بين التمسك بحق الدولة في حماية أراضيها وبين الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الجارة الشرقية.. فالخرطوم، التي تخوض حربًا ممتدة منذ أكثر من ثلاث سنوات، تواجه ضغوطًا عسكرية وأمنية متزامنة، خصوصًا في محوري كردفان ودارفور، حيث تتواصل المواجهات مع قوات الدعم السريع.. ومن ثم، فإن فتح جبهة جديدة مع الجيش الإثيوبي، وهو جيش نظامي يمتلك قدرات عسكرية ومؤسسات دولة، سيعني توزيع الموارد والقدرات العسكرية على أكثر من مسرح عمليات، في وقت تحتاج فيه القوات المسلحة إلى تركيز جهودها على الحرب الداخلية، في ظل ضغوط داخلية بإنهاء الحرب، وضغوط خارجية إقليمية ودولية بالقبول بهدنة والتفاوض على إنهاء الحرب، والانتقال إلي مسار سياسي لإنهاء المرحلة الانتقالية.
*ولا يعني هذا الموقف بالضرورة غياب خيارات الرد، بقدر ما يعكس ترتيبًا للأولويات الأمنية، بحيث تظل الدبلوماسية أداة أولى لإدارة الأزمة، مع الاحتفاظ بحق الدفاع عن السيادة الوطنية وفقًا لما تؤكده الخرطوم.
*تداخل الصراعات ومصالح القوى الإقليمية: ولا يمكن قراءة التصعيد السوداني الإثيوبي بمعزل عن التفاعلات الأوسع في القرن الإفريقي، حيث تتقاطع الحرب في السودان مع التوترات الداخلية الإثيوبية، فضلًا عن التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ والممرات البحرية ومصالح الملاحة في البحر الأحمر.. فاستمرار الصراعات الداخلية في البلدين يوفر بيئة قابلة لتداخل الأجندات الخارجية، ويزيد من احتمالات توظيف الخلافات الحدودية والسياسية لخدمة حسابات أطراف تسعى إلى تعزيز نفوذها في المنطقة.. كما أن ارتباط السودان بموقع استراتيجي على البحر الأحمر، وقرب إثيوبيا من الممرات الحيوية في القرن الإفريقي، يجعل أي تصعيد بينهما ذا أبعاد تتجاوز العلاقات الثنائية.
*الكلفة الإنسانية تقيد خيارات المواجهة: على المستوى الداخلي، تفرض الأزمة الإنسانية والاقتصادية في السودان قيودًا إضافية على خيارات التصعيد.. فالمواطن السوداني يواجه تداعيات الحرب من نزوح ونقص الخدمات الصحية والعامة وارتفاع الأسعار وصعوبة الحصول على الاحتياجات الأساسية، وهو ما يجعل فتح مواجهة خارجية جديدة عبئًا إضافيًا على الدولة والمجتمع.. ومن هنا، فإن تمسك الخرطوم بخفض التصعيد لا يمثل مجرد موقف دبلوماسي، بل يرتبط بحسابات عسكرية واقتصادية وإنسانية تفرض تجنب توسيع دائرة الحرب.
*وهنا تظهر قراءة الموقف أن العلاقات السودانية الإثيوبية تقف أمام اختبار يتجاوز تبادل الاتهامات، إلى قدرة الطرفين على منع انتقال الخلاف السياسي والأمني إلى مواجهة مفتوحة.. إذ تظل فاعلية المسار الدبلوماسي مرهونة بوجود قنوات اتصال وضمانات متبادلة، والتعامل مع الاتهامات عبر الأدلة والآليات المناسبة، بما يحول دون تدويل الصراع السوداني بصورة تزيد من تعقيدات الأزمة في القرن الإفريقي.
*كاتب صحفي مصري