
حنينٌ وليلٌ وغربـةٌ وشتــاءُ
عود مرا
سعادة عبدالرحمن
ملحوظة :
( ذكرونى أن آخذ دوائي بعد إنتهائي من حنيني)
ليس من شئ اشـدُّ فتكا بدواخل الإنسان _ وما له دواء _ أكتر من الحنين!. فالحزن يأخذ أيامه ويمضي، وينحسر إحساسنا به مع كل يوم جديد نعيشه ونتعايش معه كيف كان وقعه.
أما الحنين؛ فهو يزداد مرارة كل ما لوحت لنا الحياة بصباح جديد . والشوق والحنين مترادفان للتعبير عن الفقد والتوق لشئ أو لشخص ما؛ أما الحنين فهو احـدُّ نصلا وأكثر تبريحا من الشوق ؛ فلا يتبعه إلا لحظات اليأس والعجز بكل معنى، أما الشوق ففيه بصيص من الأمل يكسبه لونا و طعما آخر ….
الحنين (يفلج) أكباد الإبل (الفاردة) التي ابعد عنها صغيرها أو الذي فقدته بنفوقه؛ وكأنما تماسك أجزائنا يفِـــتّه الحنين والفراق؛ حتى ذرات الأرض.
الحنين لمن فقدنا، والحنين إلى ما مضى ، وإلى ماهو آت وإلى لحظات من العمر ملؤها الأحباب والأصحاب ؛ والذكريات التي هي عينها تصبح يدًا للحنين يبطش بها…
إنك تكاد تلمس بين ملامح الناس من يعاني منهم الحنين أكتر ممن يعاني من عَـرَض آخر _ عافاكم الله_
الحنين يذبـل النظرات ويخفت ضوءها ويكسبها شعاعا باهتا تعرف أنه من روح معتمة.
و يكسب الملامح شحوبا، غير يد السنين التي تجر خطوطا على ملامحنا كالجروح الغائرة.
ماذا عن هؤلاء ! ألم تجعل لهم الحياة نصيبا من الحنين يوما؟؟ أم إنهم لم ينغمسوا بمشاعرهم وحواسهم في كل لحظة من حياتهم مع الآخرين أو بمفردهم حتى’!!… هل نُـبتلي احيانا بهذا الحنين الى مماتنا؟ لماذا كان الحنين أصلا؟ لماذا اصابك الآخرون بالحنين؟ لو أنهم شعروا به لعادوا (وعادت الأيام).
أوَهل يعاقبنا الآخرون بالحنين؟
إنما اخشى أن تأخذهم صروف الحياة وزاهيات أيامها؛ فلايعبأون بنا ويفلتوننا ويطأون على شوقنا والذي يلتهب الى حنين يستنزف أيامنا المقبلات…
ومن هم يعتبرون أن الإنتماء للجماعة أو الآخرين انما هو نظام قطيعـي، فاستهانوا به( واستخففوا) فلم يتعلقوا بأحد ولا بشئ كله بانتهاء صلاحيته، يعيشون بذاكرة السمك أظنهم. لا يحملون على عاتقهم مسؤولية تعلُّـق الآخرين بهم أو حوجتهم لظلهم حتى ، وأحيانا قد تغشاهم وخزة من شوق فيخدرونها بوعود اللقاء الواهية أو انشغالهم عنها بأشياء أكثر إدهاشا بأعينهم.
ياترى كم وطأت أنا على حنين الآخرين وتوقهم؟ أو أن أكون بقربهم! كبيرا كان أم صغير؟ أو والدٍ اخذتنا منه الحياة فصار على هامش أولوياتنا !
هل تركتهم وليلاتهم يعانون ما أعاني أنا الآن؟
اذن نحن من سرقنا الضياء من عمر الآخرين؛ ودار كأسُنا! . ليتهم أخبرونا كم أبرحناهم!!
كم اشتقت لضحكة إذ اجتمعنا على (صينية) الطعام أو عودة مسافر أو حكاوي وذكريات؟؛ فالحنين ابن غير شرعي للذكريات؛ عاقٌ، ينخر كل لحظات خلوتنا أو اُهبتنا للنوم، أو في عيد أو فرح عارض لاتشاركه أحبابك؛ فيبيعه بخسًا ويشتري لنا دموعا للوفاء.
خلسة أخذتني الحياة ممن أحب، أو أخذتهم مني، دون استعداد لذلك كانت تأتبني فجاة فتأخذهم من يدي ولم اكمل مابدأته وما أملته فتذرونا كلٌّ في وادٍ مابين ميت وحيّْ.
اصبحت أهرب من كل ذكرى تلاحق مخيلتي، أغنية أحببتها أو أحبها غيري، صوري وتذكاراتي مع الآخرين لحظات وفصول وأمكنة تقاسمتها مع غيري؛ غير ماتفرضه علي غربتي بتكوين علاقات بالأمكنة والشوارع والأصحاب الذين ابدلتنيهم الأيام عمن فقدت، أخشى أن أتعمق وأتعلق بإحساسي بالأمكنة والصباحات والآخرين.
قعدت، لأن كل خطوة وصباح ماطر يذكرني بحوش بيتنا أو لعبي مع الأطفال تحت زخات المطر، و لأخشى أن يأتي بوم اتذكر هذه الأمكنة والأزمنة فاحن لها، ولا أستطيع لها وصول وتصبح اغلى امانيّ لو يعود بي العمر الى هذه السانحة…
فالحنين لايصيبك الا ذات عمرٍ حين تتساقط أوراقه ويصوِّح عوده ، عندما نكون عند مفترق طرق من الحياة : احدهما لارجعة فيه، والآخر وعِـر لن تعبره إلا ان تطأ على حدِّ نصل ذكرياتك الجميلة وأيامك الوارفة الخوالي وفقدك وتوقك ووحدتك.. فأيهم تسلك؟!