النَّانَّة
قصة
رحماني نجاة / الجزائر
يقال أن في المدينة امرأة تتوسد الحجر وتلتحف
السماء، امرأة يخافها الصبية وكثيرا ما لاحقتهم في الأزقة الضيقة وهم يرددون ” النَانَة هَانَا وَينَا، النَانَة والله مَا تَقَبضينَا “، النانة هو اسم هذه المرأة التي لا أحد يعرف حقيقتها في هذه المدينة.
عند لقائك بالنانة ترى امرأة تشبه ما قرأته في كتب الأساطير القديمة، شعرها المجعد الأغبر يطل من تحت الفولار الذي تربط أطرافه فوق الرأس، يتوسط جبهتها وشم بخطين متقاطعين وستة نقاط، ثلاثة فوق الخط العمودي ونقطتين على الجوانب وأخرى أسفل الخط العمودي، هذا الوشم في خضرته يشبه لون عيني النانَة، في حقيقة الأمر هي امراة جميلة جدا لولا حالتها المزرية، فلباسها عبارة عن ملحفة يزينها اللون الأزرق والأصفر وبعض الورود الخضراء التي قربت من السواد لاتساخ الملحفة نتيجة المبيت في العراء وغبار الشوارع اليومي.
تنتعل النَانة صندالا من الجلد، هو قديم لكنه متين تحرص عليه كثيرا وأبدا ما نزعته من رجليها كما قيل لي.
امرأة غريبة لا أحد يعرفها، من الذي جاء بها إلى هنا ؟.ظل هذا السؤال يراودني كلما التقيتها، لابد من حكاية وراء وجودها هنا، يعني إن لم يكن لديها أقرباء ما الذي يجعلها تحب المكان وتمكث به السنين الطوال، عجيب أمرها! .
أنا كذلك لست ابن المنطقة ولكن مجيئي له أسبابه فلولا العمل وهذه الأرضية الرقمية اللعينة التي بدأ تطبيقها في مديريات التربية لما تركت أهلي، فالعطلة وحدها التي ستجمعني بهم، إذ أن المسافة بعيدة بين المدية وغرداية والحالة المادية لا تسمح لي بالسفر إلا كل عطلة طويلة.
اللعنة عليهم حتى الراتب يطول صرفه لنا، يبعدوننا المسافات الطويلة عن بيوتنا ولا يتكفلون باحتياجاتنا، وكأنهم يمنون علينا نجاحنا في مسابقات التعليمالتي عانينا الويلات لاجتيازها والظفر بمنصب عمل في وقت سادت فيه البيروقراطية ولا نجاح إلا بالواسطة، لكن أنا والحمد لله حيث أن رضا الله ودعوات الأهل وفقاني في اجتيازها والنجاح بجدارة، كاسرا ذرع الوساطة التي يتبجح به بعض الزملاء ضعاف النفوس عديمي القدرات، المتكلين على معارفهم وأسيادهم.
جئت إلى غرداية التي عينت أستاذا بثانوية بها، أتذكر أسابيعي الأولى والفاجعة التي تعرضت لها، كاد نبض قلبي يتوقف ذلك اليوم، حينما كنت على وشك فتح باب المنزل الذي استأجرته وإذ بيد تحط على كتفي، استدرت إلى الخلف لأرى امرأة لا تظهر عادية، أخافني مظهرها وصرخت، يا الله كم كنت غبيا، أخفتها كثيرا حتى أنها دخلت في موجة بكاء شديد كطفلة صغيرة، ابتعدت عني ثم رمت بشيء وهربت، اقتربت لأجد قطعة قماش ملفوفة على مبلغ نقدي.
استغربت كثيرا ولم أفهم من الذي يجعلها تقصدني أنا بالذات لتعطيني النقود بالرغم من أنني أخفتها بصراخي، سألت بعض شباب المدينة فقيل لي هي مجنونة لكن النَانة (براكة الحومة إذا عطَاتك حاجة قِي شدها وتوكل على ربي) لعله خير قلت في قلبي.
ألفت رؤية النانة كل صباح ومساء، ومع مرور الوقت صرنا نتبادل الابتسامة، ابتسامتها رائعة جدا، الظاهر أنها كانت شابة جميلة في زمانها. لم يعجبني ما تعانيه النانة مبيتها في الشارع يعرضها لكثير المضايقات من طرف مدمني الخمر والمخذرات، أصبحت أخاف عليها، فكثيرا ما استيقظت على صراخها آخر الليل وهي تقوم بطردهم، مشين ما يحدث معها كامرأة، عندي عقدة ضعف اتجاه المرأة وأكره من يظلمها، علمني جدي أنه لا يظلم المرأة إلا منحط وعديم مروءة، تعلمت في بيته كوني يتيم الأبوين كيف يجب أن يحترم الرجل المرأة وحفظت عنه قول رسول الله صل الله عليه وسلم ” إنما النساء شقائق الرجال، ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم “، ما أروعك يا حبيبي يا رسول الله وأنت الذي شبهتهن بالقوارير خشية كسر خاطرهن.
ذات يوم تضايقت من مدير مؤسستنا ولم أجد مكاناأفرغ فيه شحنة الغضب والغصة التي تخنقني إلا حقول النخيل في واحات غرداية، غرداية الساحرة بعمرانها وأسواقها العتيقة وأزقتها الضيقة وتنوع ثقافات أهلها. كم يعجبني أهل هذه المدينة الذين تعرضوا لشتى المحن والفتن إلا أنهم تجاوزوا ما مروا به لترجع الوحدة تزين يومياتهم، لم أر ما سمعته عنهم في قنوات العار، الوضع هنا هادئ وكل يعمل وكأنها خلية نحل ما شاء الله. في الحقل الذي دخلته سمعت صوتا رخيما تكسوه نبرة حزن، هذا الصوت أقرب إلى الغناء دندنة جميلة. اقتربت من موقع الصوت، ركزت معه (آه النَانة قلتها بصوت خافت)، اقتربت أكثر لأسمع ما تقول كانت تردد:
يا ناري يا ناري
راه عذاب صغاري كواني
يا ناري يا ناري
في ليلة جاو هدّو حيطاني
يا ناري يا ناري
ما خلاو بويا لا اعمامي
يا ناري يا ناري
قتلوهم قدامي
قتلوا امي وصغاري
يا ناري يا ناري
هم الراجل زاد هبالي
يا ناري يا ناري
ثم أجهشت بعدها بالبكاء، بكاؤها يفتت الحجرة الصماء، لم تترك لي النَّانة بعد هذا ما أقوله، فضولي عن معرفة من تكون وسؤالي الدائم عنها الذي لم أجد من يملك له إجابة علمته من كلماتها، من دندنتها، ابتعدت عنها ثم أجهشت أنا كذلك بالبكاء، لأن ما حدث معها حدث مع أهلي أيام العشرية السوداء، كل كلمة قالتها النانة تدل على تعرض أهلها لمجزرة دموية ربما هي الناجية الوحيدة منها، ووحده الله يعلم ما حدث معها بعد ذلك.
لم يسلم أحد من الإرهاب الغاشم، ترك فينا آلاما وعقدا نفسية لم تستطع السُنُون أن تشفي قلوبنا الموجوعة عن الأهل و الأحباب منها. أنا و النَانة إذا نتشارك في الغربة كما نتشارك في الفقدان، نختلف فقط في الطريقة التي جئنا بها إلى هنا، أنا جئت لأجل العمل وهي رمى بها الزمان بين أحضان الشارع.
تعودت على النَانة وكلما أتذكر أنني بعد فترة سأتمكن من تغيير مكان العمل والرجوع إلى مدينتي بحكم السماح لي بالدخول في حركة التنقل على مستوى مديرية التربية أحزن، هل سأصبر عليها، هل يمكن أن أتركها هنا ؟، تعلقي بها صار كبيرا جدا، أنا صدقا طيب لكن النَانة كانت أكثر مني طيبة وكرما من أول ما جئت إلى غرداية.
– النَانة صباح النور، انهضي أنا عبد اللطيف.
– تفضلي هذه الثياب والبسيها، سنسافر معا إلى بيت جدي.
- النَانة ستعيشين معنا بالمدية