
المسرح في مناطق النزاع..من البقعة الى تمبكو..المكسيك..وحتي اشتودقارد-المانيا..مسرح بين الحدود
الدهليز
علي مهدي
تلك الصباحات المشرقات في مدينتي الأحب (ملكال )، مترعات ببعض فرح غامر، يفتح لي أبواب حلمي القديم المتجدد في استكمال برامجي لتقديم العون للأطفال في مناطق النزاع.
وفي انتظار رفرفة رايات السلام، كانت قرية الأطفال في المدينة التي عرفتها من بعيد، ثم اجريت دراستي عليها والمناطق المجاورة، بل زرت قبلها مدن في ولاية (أعالي النيل) هذا كان اسمها، ومشيت في الطريق ما بينها حتي مدينتي الأحب (الأبيض)، ثم نظرت سطح الماء الأبيض الممتد حتي مدينة (كوستي)، مدينتي التي عشقتها بمعرفة (ملكال )جمعت المعلومات والتصاوير والخرائط عنها بالقدر المستطاع.
وذلك الصباح التأسيسي والمفتتح لأول معسكر للأطفال المجندين، من عجلة فيني ما اكملت كوب قهوتي الثاني، وأمي مريم لم تلح علي، بل دفعتني دفعا للذهاب ، علي غير عادتها، وهي تُملي توجيهاتها
( اسمع يا جنا حشاي ، عيال ديل مرقوا بدري للحرب، وشافوا الويل دحين بشيشك عليهم . )
وقفت، وفي خاطري تصاوير لكيف سيكون اللقاء الأول، نعم التقيت بعضهم ونحن نستكمل إجراءات التسجيل وحفظ الأسماء، تجاوز العدد يومها الثلاثمائة وأكثر، الأعمار متقاربة، وخالفت التعليمات الرسمية، لم اطلب أي معلومة عنها القبيلة، ولم تذكر في ملفاتي آبداً.
دخلت وبي فرح غامر طاف بالمكان ،
الشجرة الكبير تتوسط الحوش، ولا حوش، لا أسوار ولا حدود وكأنك تمتلك المدينة.
المعسكر مفتوح على الشارع الكبير، ليس بعيدا عنه وسط المدينة ، لكنك يمكن أن تلمح النهر، الماء يجري نحو الشمال، والجزر الصغيرة تنمو، أعمارها قصار بدفع الماء تذوب في التيار المتسارع والسطح اللامع موحي.
ووقفت في الوسط، كان أبنائي الجدد قد التفوا حولي، وقفوا وبدقة مجموعات، تلمح الفروقات بينهم، وتفهم منها هذه الفروقات البينة، لأي مجموعة عسكرية يتبعون، متفرقين في كل الأوقات .
لا معني للمعسكر إذا لم يلتقوا، وفي لحظات معينة، وذاك النهار والتالي تعبت من هذة الُفرقة، وادركت وحشة، والأسئلة تمتد ولا تتوقف .
رجعت تلك الظهيرة ووجهي عليه توحش، وإدراك أن الأمر يتعقد كل يوم، والنهار التالي يعقد المشهد أكثر.
رفضوا الجلوس في دائرة كبرى ،أو تناول الطعام معاً، كل مجموعة تنتحي جانبا من المعسكر،
وتعبت منها هكذا حالات من التعصب، والنزاعات الجانبية.
ورجعت الى أمي (مريم)، تعبي بيّن، وقلقي يتأكد في كل جملي المتقطعة، ولمحت في عينيها حب كبير، وأدركت لديها بعض الحلول، وتبسمت ،ثم صبت لي قهوة جديدة ، أخف في لونها، والطعم مغاير.
تذكرته بعدها بسنوات وأنا أجلس في مقهي مبني (اليونسكو)
الكبير غير بعيد عن برج (ايفيل)،
و(باريس) تمنحني يومها اعتراف وتقدير لتلك الليالي الموحشات في (ملكال ) .
وهي تعترف وفي احتفاء كبير بالمشروع، التجربة، الاتجاه، المدرسة، المنهج ( المسرح في مناطق النزاع ).
قالت أمي مريم وبثقة ورثتها بعدها من صوتها الموحي، لما وقفت بعدها بسنوات طويلة أحاضر في جامعة ( لندن) عنها الفكرة المشروع ثم المنهج (استخدام الفنون الأدائية في تعزيز السلام ) ..
وذاك الصباح في قاعة التمارين، جلسوا كما طلبت اكثر من ثلاثين طالب وأستاذ ومراقبين ووسائط إعلام مرئية ومسموعة للورشة الأولى لي بعد الورش التي تمت في أنحاء الوطن، خاصة في دارفور الكبرى ومدن أخرى في الوطن.
وسمعتها تدعوني: (شوف يا جنا حشاي أنت باكر تلمهم وتقعد في الوسط وتحكي ليهم وبس )
وفهمت الإشارات بالغة الأهمية، وانعكست بعدها على برامجي التي توثقت بواسطة الجامعات والمراكز التي زرتها حول العالم .
تلك الظهيرة وقفت كما النخلة أحكي قلت وفي صوتي بعض ذكرياتي القديمة، وشككت بعدها هل هذا صوتي او هو صوت أمي وجدتي آمنة عليها الرحمة، كانت تُشخص وسط الحكايات، وتغير في صوتها كما تكون الشخصية.
ومضى اليوم والآخر وبعد السابع لما لاحظت أنهم أبعد من وسط الدائرة، امتنعت، ثم اقتربوا أكثر فأكثر، ورجعت يومي ذاك وطلبت أن نقوم بتمثيل الحكاية، وافقوا، ولكن كل فريق رفض أن يشارك الآخر .
امتنعت عنها الحكايات لأيام، ورجعوا وقبلوا أن يعملوا معاً.
في تلك الأوقات عرفوا بعضهم بعض، وسمعت الأسماء، ولم أعرف القبائل .
وخرجنا للمدينة نقدم عروضنا في الساحات ، والناس من حولنا، واضفنا لها بعض الطبول، وأغنيات قصيرة.
كانت الحكايات تنتشر، أننا وانا منهم نطوف المدينة ولم يعد هناك ذاك العنف المفرط بينهم أو الآخرين
رغم بعدهم عن بعضهم.
ثم أدركت بعدها أن التمثيل والغناء المشترك يمحو الحدود ، لا اللغة عندي كانت أهم.
وتتواصل أيام معسكرنا، وبقيت في المدينة لشهور اكتب على شمعتي إذا تعذر الضوء حكايتي .
فقلت من نفسي الى نفسي، نعم هناك حدود قامت بينهم لسنوات الإحتراب، وبيني وأنا منهم، لغة ومعاني غائبة، هي حدود نصنعها بيننا، ونؤمن بها، وجهودنا هذه وعملنا الإبداعي المتقن هذا، مسرح يقرب المسافات.
ولم تعد للحدود قدرة على منعنا من التلاقي.
هو (مسرح بين الحدود )
نعم مشيت بها الفكرة..
وتجولنا في مسرح البقعة بعروضنا في دارفور الكبري، ساحات، قري، مدن، ومعسكرات نازحين.
ولم نتوقف للغة أو تفاسير، والصراع يومها يتسع، والنزاعات تمشي بالوطن الى متاهات.
ومسرحي حاضر، في أصعب الأوقات قدمت البقعة عروضها،
كنا ننتظر لساعات حتي تتوقف المعارك لنواصل من جديد .
مسرح، قلت يومها من ولهي وفرح يغمر الفضاء بين مدينة (الفاشر) ومعسكر للنازحين من الحرب في معسكر ( أبوشوك ).
وقفت بعيدا عن مكان العرض ،
ألعب مع أطفال استجابوا لدعوتي وهزموا الخوف مني وأي شيئ محيط.
قلت هذا (مسرح في مناطق النزاع )
أو قل في مناطق الصراع .
ويوم دخلت مدينة ( تمبكتو)،
و(المكسيك) تحتفي بي ومشروعي الأحدث، حملت تصاويري وبعض التسجيلات، وجلست الى لجنة الهوية والتنمية الثقافية ،من أهم اللجان، وصيف العام 2004
يجعل زيارتي تلك أكثر من منتجة ،
والتقينا يومها الأحباب من ألمانيا (تومس أنجلز ) و(الاكسندر إستلمارك )، وفرحوا بالمشروع، وتواصلت جلسات الحوار،
وانتهى المؤتمر وبيننا اتفاق، ووجهت لهم الدعوة لزيارة الوطن، وتبادلنا المعلومات، ورتبت لهم زيارة رسمية، والخرطوم تحتفي كونها عاصمة الثقافة العربية.
تلك حكاية أخرى..
لأنها بعد زيارتهم تذهب الفكرة المشروع النظرية الى مدينة
(اشوتدقارد ).. ثم فضاءات العالم
نعم..
دهليزي بين أيديكم والوعكة لا تفارقني لكنها الكتابة تشفيني
نعم..
دعواتكم ..