خبير النظم المالية والمصرفية المهندس الطيب الجعلي في إفادات حول مستقبل قطاع التعدين:
- السودان يُنتج أكثر من 90 طنًا من الذهب سنويًا ولكن..
- الحلول الأمنية وحدها لن توقف التهريب
- المعادن ثروة وطنية سيادية يجب استغلالها
حاورته- ناهد أوشي:
وضع المهندس الطيب الجعلي، خبير النظم المالية المصرفية، رؤية جديدة لاستعادة السيطرة على قطاع التعدين وتحويله إلى ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني, وقال هنالك فرصة تاريخية لإصلاح القطاع وطالب بضرورة تشديد الرقابة على المنافذ الحدودية, وتركيب أجهزة كشف المعادن الحديثة في المطارات والموانئ البرية,
واستخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات الصادرات وتطرق للعديد من القضايا الخاصة بقطاع المعادن في الحوار التالي…
*السودان يُنتج كميات ضخمة من الذهب، لكنه لا ينعكس على الاقتصاد.. لماذا؟

-السودان يُنتج أكثر من 90 طنًا من الذهب سنويًا حسب الإحصاءات الرسمية، ولكن ما يتم تهريبه خارج القنوات الرسمية يمثل أكثر من هذه الكميات، مما يعني أن الدولة تفقد مليارات الدولارات سنويًا, وإذا نظرنا إلى الأرقام، سنجد أن صادرات السودان الرسمية من الذهب في 2022م مثلا لم تتجاوز 1.6 مليار دولار، بينما يُقدّر حجم الذهب المهرب بأكثر من هذا المبلغ باضعاف مضاعفة, والشاهد أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية لهذه المشكلة تتمثل في الآتي :
غياب سوق منظمة للذهب، مما يجعل المعدنين التقليديين والتجار يلجأون إلى السوق السوداء بحثًا عن أسعار أفضل, بجانب أن تصدير الذهب خامًا بدلا من تصفيته محليًا، ما يفقد السودان فرصة تحقيق قيمة مضافة على موارده, مع عدم وجود رقابة فعالة على المنافذ الحدودية، ما يجعل عمليات التهريب سهلة جدًا عبر دول الجوار
*إذن التهريب هو المشكلة الأكبر، فهل الحل أمني فقط أم أن هناك بديلاً اقتصادياً أكثر فاعلية؟
-الحلول الأمنية (مع ضرورتها) لكنها لن توقف التهريب وحدها، بل يجب تعزيزها بالحل الاقتصادي الذي يكمن في جعل السوق الرسمي أكثر جاذبية من البيع في السوق الأسود والتهريب, يجب أن نوفر بدائل اقتصادية تجعل المعدنين والتجار يختارون بيع الذهب عبر القنوات الرسمية لأن ذلك أكثر ربحية وأمانًا لهم, وأري أن الحلول الفعالة تكمن في إطلاق بورصة الذهب السودانية, والسماح للمعدنين التقليديين والشركات ببيع الذهب عبر البورصة وفق آليات العرض والطلب، مما يضمن تسعيرًا شفافًا وعادلاً بجانب تقليل الفجوة بين السعر الرسمي والسوق السوداء، مما يقلل من حوافز التهريب, وإنشاء مراكز شراء حكومية في مناطق التعدين التقليدي وضرورة أن تضع الدولة يدها على ذهب التعدين الاهلي بدلا من تركه للسماسرة والمهربين, وتقديم أسعار تنافسية بحيث يصبح البيع عبر الدولة خيارًا أكثر جدوى من التعامل مع المهربين, وضمان الدفع الفوري عبر أنظمة دفع إلكترونية حديثة لزيادة الثقة في القنوات الرسمية, بجانب تشديد الرقابة على المنافذ الحدودية وتركيب أجهزة كشف المعادن الحديثة في المطارات والموانئ البرية, واستخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات الصادرات وكشف الأنماط المشبوهة.
*هناك مخاوف من أن الاستثمارات الأجنبية في التعدين لا تفيد السودان كما يجب.. كيف يمكن تحسين ذلك؟
-السودان يسمح للشركات الأجنبية بالتعدين في أراضيه، لكنه لا يضع الشروط التي تضمن أقصى منفعة للدولة, العقود الحالية تميل لصالح المستثمرين الأجانب، بينما لا يحصل السودان إلا على نسبة ضئيلة من العائدات, لذلك يجب تعديل قوانين التعدين لضمان تعظيم منفعة السودان وإلزام الشركات بتكرير الذهب داخل السودان بدلًا من تصديره خامًا, وفرض نسبة ملكية سودانية لا تقل عن 30-40% في أي مشروع تعدين أجنبي, وضمان تشغيل العمالة المحلية ونقل المعرفة والتكنولوجيا للسودانيين
تحفيز الشركات الأجنبية لبناء مصانع تكرير ومعالجة المعادن.
وتطوير قطاع صناعي يعتمد على الذهب مثل إنتاج المجوهرات والمعادن الصناعية.
*حال تم تنفيذ هذه الإصلاحات، كيف سيتحول التعدين إلى محرك اقتصادي حقيقي؟
-السودان يمكنه أن يصبح واحدًا من أكبر مراكز التعدين في إفريقيا إذا قام بتنفيذ إصلاحات تتضمن ضبط السوق، وإنشاء بورصة ذهب، وتحفيز الاستثمارات الوطنية، والقضاء على التهريب، فإن قطاع التعدين يمكن أن يكون المورد الأول للنقد الأجنبي في السودان خلال خمس سنوات فقط, وستكون هنالك مكاسب جراء هذه الإصلاحات وهي زيادة العائدات الحكومية من الذهب بنسبة 50% خلال عامين
كما وسيتم تحقيق استقرار في سوق الذهب السوداني وجذب المستثمرين الدوليين وتحويل السودان إلى مركز إقليمي لصناعة التعدين في إفريقيا.
*رسالة توجهها للحكومة وأصحاب القرار؟
-الذهب والمعادن ليست مجرد موارد اقتصادية، بل هي ثروة وطنية سيادية يجب أن تُستغل بحكمة, والسودان لديه فرصة نادرة لإصلاح قطاع التعدين وجعله الركيزة الأساسية لاقتصاده ويجب الآن اتخاذ القرارات الصعبة لإنقاذ هذه الثروة والاستفادة منها في تطوير الاقتصاد السوداني.