آخر الأخبار

فرسان كنجرت..مقاربة في ضوء دراسات التابع التاريخي (2_2)

 

أبو طالب محمد

إشراف: بروفيسور سيد حامد حريز

 

النوراب والتركية:-

تتيح المصادر المكتوبة والشفاهية النظر في تاريخ النوراب في العهد التركي من خلال محاور ثلاثة:-

 

علاقة النوراب بالمركز السياسي والإداري الجديد.

بعد تسليم النوراب بالحكم التركي في العام 1821م أصبح أمر مستقبل العلاقة بينهم رهيناً بالمصالح المادية المشتركة استخدم المركز الجديد الكبابيش في ترحيل الصمغ من الأبيض إلى دنقلا. لاذ الكبابيش بالصحراء خارج دائرة نفوذ الحكم المحلي فراراً من الشروط المجحفة التي استنزفتهم لأن المركز أثقل عليهم وعلى شيخهم بوجه خاص لتعويض ما يراه ضرراً لحق بالبضاعة في الطريق متجاهلاً ردائدة التعبئة في الأبيض والانكماش الذي يتعرض له. أصبح النوراب أوفر حظاً في العائد من ترحيل الصمغ باستخدام الرقيق والأتباع المتحلقين حول الشيخ في نقل الصمغ، تنخفض تكلفة الترحيل بالنسبة للمشايخ ويزداد عائدهم. إذن منتهى المواجهة بين النوراب والمركز الجديد. يؤكد أرستقراطية بدوية على الكبابيش مستثمرين في ذلك صيغة التفاهم التي توصلوا إليها مع الحكم التركي والامكانات الاقتصادية التي أتاحها ومستخدمين وسائل الانتاج التي بأيديهم من جمال ورجال فارتبط النوراب بوظيفة ومصلحة مع النظام التركي مما ستكشف عنه مناوءتهم الحادة للثورة المهدية مستقبلاً.

علاقة النوراب بالقبائل المجاورة:-

 

لم تتأثر علاقة القبائل المجاورة بالمركز الجديد واصلت القبائل إنخراطها في سلك الكبابيش مستفيدة من صولتهم ومن خيرات الدار التي هيمنوا عليها نلحظ هذا الانخراط منذ بداية نشأة الحلف الكباشي مروراً بانضواء النفيدية 1780م حتى اكتمال مؤسسة التبع على عهد الشيخ فضل الله ود سالم وقد شمل التبع الكواهلة والشنابلة الذين لاذوا بالكبابيش إثر أضرار لحقتهم من الزغاوة بدارفور، وبني جرار الذين اصطدموا بسلطان دارفور يوم داهموا إحدى قوافله التجارية والمغاربة وجهينة والغزايا وعناصر من البجه. ومن جانب آخر تقليد النهيض بمعنى أن ينهض قوم من قبيلة علىرزق قبيلة أخرى بالسلب والحيازة وما ينجم عن ذلك من حروب قبلية واسعة النطاق. هذه العلاقة لم يكن في استطاعت المركز السياسي الجديد السيطرة عليها لأنها تجري في مواضع بعيدة في أعماق البادية بعيداً عن بصر وسمع وقدرة ذلك المركز، يتمثل جَهَدَ المركز في دعوة القبائل إلى مواطنها واسترداد ما سرق من ثروة، ويؤسس سلماً فيما بينها فتقسم القبائل له جبراً أو تسليماً بأمر واقع مع يقينها بعدم جدوى الالتزام بالعهد فتنتقل عائدة إلى سيرتها الأولى.

الصراع حول شياخة الكبابيش:-

 

أحدثت أخطر الصراعات حول شيخة الكبابيش أثراً على عهد الحكم التركي حول الصراع الناشب بين التوم ود فضل الله 1875- 1883م وأخيه صالح إثر وفاة أبيهما الشيخ فضل الله ود سالم، فبرغم تدخل الإدارة التركية في حسم ذلك الخلاف بقرارات مضطربة، فقد ظل الخلاف قائماً ولربما كان هذا الخلاف عاملاً شل من فعالية الكبابيش حين واجهوا المهدية بالرفض والعداء، فانقلب أمرهم إلى هزيمة وتجريد الأموال، خلف فضل الله ود سالم فيما تقول الروايات ابنه التوم شيخاً من بعده، وخصه بنحاس القبيلة ونصيب أكثر من الإرث مالاً وأنعاماً، واستبعد صالح كونه ابناً لأم ولد، وكان صالح من الجانب الآخر مهاباً من فروع القبيلة فقد انحاز أغلبية النوراب للتوم ود فضل الله، بينما انسلت شرائح منهم إلى جانب صالح. يتمتع التوم بقاعدة أعرض من ولاء فروع الكبابيش الأخرى ولم يحسم مجلس الخيار الذي عقدته الإدارة التركية بحمرة الشيخ، فخرج صالح على قرار الأغلبية القاضي شيخة التوم، وسعى من جديد عند الياس باشا أم برير حاكم كردفان فنصبه شيخاً على الكبابيش،مما أبطل غردون ذلك، وأعاد التوم شيخاً رسمياً على الكبابيش ورغماً عن ذلك لم يرضخ صالح، ورحل بأنصاره وشيعته إلى الصافية نازحاً عن حمرة الشيخ يدمر التوم، وظل يمارس سلطاته شيخاً على من حوله حتى اندلاع الثورة المهدية.

 

النوراب والمهدية:-

 

نشبت مواجهات عنيفة بين النوراب والمهدية لعدة أسباب:

ثراء الكبابيش واحتكارها نقل الصمغ بين دنقلا والأبيض.

استغلال الخليفة عبد الله التعايشي الثأر بين جرار والكبابيش بإرسال جريجير ودنيباوي الجراري لتعقب صالح فضل الله.

تباطؤ الكبابيش عن الانخراط في الثورة المهدية.

يؤكد الباحث عوض عبد الهادي في كتابة (تاريخ كردفان السياسي في المهدية 1881- 1899م) أسباب المواجهة:-

قتل المهدية للشيخ التوم فضل الله لأن الكبابيش كانوا يعادون القبائل التي خضعت للمهدية.

 

كره الكبابيش المهدية لأنها قد تحرمهم ميزة موقعهم الاستراتيجي على الطريق التجاري بين كردفان ومصر.

ترى المهدية أن أرستقراطية النوراب منكرة فقد صدرت تشريعات أخذت مسلكاً تطهيرياً اتجاه الدنيا، بينما تنغمس أرستقراطية الكبابيش في التملك والسيادة ولها في ذلك شرائحها وطرائقها الخاصة.

 

أيضاً من الأسباب طلب المهدي من النوراب ترك الخمرة، بينما يرى النوراب فخراً في تناولها وطلب منهم أيضاً منع النساء والبنات من الخروج وأن يسترن أجسادهن ورؤسهن وتضرب من تكشف عن رأسها أو تترك سترها بينما لا ترى أرستقراطية النوراب وغيرهم من الأعراب عيباً في أن يدخل الرجل أو الجماعة من الرجال ستر النساء بدافع الونسة، كما طلب المهدي تسيير مهر النساء بأن يكون صداق البكر عشرة ريال والشيب خمسة، وطالبهم بترك النياحة على الميت بما فيه من فراش واجتماع عليه.

 

منهجية تحقيق ديوان النوراب:-

الكتابة الصوتية:

استخدم فيها عبد الله طريقة سيد حامد حريز في كتابه (فن المسدار) دراسة في الشعر الشعبي السوداني التزم بكتابة الشعر الشعبي بصورة تحفظ للنصوص كيانها الصوتي واستعمل بعض الرموز الإضافية بالإضافة إلى الوسائل التقليدية من ضمة وفتحة وكسرة وهمزة وتنوين وتشديد الرموز.

التبويب: رتب الشعر في قطع أكثرها من مكون واحد وحوى بعضها أكثر من مكون وأعطى القطع أرقاماً متسلسلة وأستعان في مواضع ـخرى بغناء أو شعر من الفترة 1900 وما بعدها واستخدم القوسين المربعين [ ] لحصر ما يحسن تسجيله أو شرحه من الراوي.

ضم الديوان أشعاراً مختلفة للنوراب حول الرثاء والهجاء والغزل والفخر والحرب وانتصارات النوراب والسخرية وفي الشكر جاءت الأشعار في شكل قطع وحوارات ومساجلات.

جاء الديوان محملاً بتاريخ النوراب الاجتماعي، ويؤكد على إرثهم الثقافي، وغالبية الشعر الوارد في الديوان قيل على رواة نساء وهو يدل على حضور المرأة في مجتمع الكبابيش ودورها الثقافي.

مثلاً تقول:- بت مازت تسخر من حلف النوراب ودار حامد في إطار بكائها على هلال ود بخيت:

من راس الجبيل ندلى نتصابه (نمضي مترددين)

من ود أم فروخ صادتني كبكابة(رجفة الحمى)

حت خيل الغزايا الحيلها توابه(منتكس)

نوراب القبول حاسباني جلابه(القافلة)

من فترة حسيت ريلاً ضرب غابة

وتقول باكية هلال ود بخيت:-

جيت من البحور شن شاهي بشن بتدور

 

دبه ودبتين فوق كجمر البترز(صوت)

 

يا فارس البي حرها وبي بردها تدز _حركة بصوت)

 

يا أبو فاطني هي سويت كتال العز

 

فوق الدار حرنت حرمت ما بتقز

 

وجلدك يا غرور من الحديد ما بنز

 

قالت بت جلي تبكي أباها المحتضر:-

الليلي أبويا أبى العيشه

 

الفارس البدخُل ربة الديشه

 

رقد قش أم ربيقي برعو كبابيشه(موضوع)

 

فرد عليها:-

فارقنا البنات والقود

 

وفارقنا ركووب القارح المشدود

 

إنكاناً بيض أيامنا إتبدلن بالسود

 

يؤكد ديوان النوراب كما أشرت إلى كتابة التاريخ الاجتماعي للكبابيش بأبوابه الواسعة.

 

استنتاجات ختامية:-

 

أكدت الروايات الشفاهية الواردة في كتاب فرسان كنجرت على كتابة التاريخي الاجتماعي لجماعة الكبابيش وأفرعهم وشملت حتى الروايات التوثيق للجماعات التبع التي تمت استضافتها في أرض الكبابيش، كما ألقى الكتَاب الضوء إلى شريحة اجتماعية مهمة لعبت دوراً بارزاً في عهدي التركية والدولة المهدية، إذن المنهج الذي تبناه الكاتب في جمعه منهج عمل ميداني تطابق مع توجهات نظرية التابع التاريخي التي ترى أن التاريخ المسنود إلى روايات شفاهية هو تاريخ فئات اجتماعية ظلت تعاني من عدم التوثيق ردحاً من الزمان بحسبان إن التاريخي لجماعات ثقافية يكتب بواسطة الرواة باعتبارهم أصوات تاريخية أجدر بكتابة تاريخهم في مشارع عِدَّة، إضافة إلى أن الكتَاب ضم ديوان النوراب الشعري الشعبي وهو إضمامة ساعدت الروايات الشفاهية في كتاب التاريخ الاجتماعي للكبابيش وما حولهم من جماعات ثقافية.

 

مراجع وهوامش

دخير الله دعيش والبشير ربوح/ الاستشراق والاستعمار والإمبريالية (دراسات ما بعد الكولونيالية: القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2018م، ص 243.

نفسه، ص 254.

خالد اليعقوبي وخالد طحطح/ التاريخ من أسفل: القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع، 2019م، ص 24.

 

كنجرت.. لفظة مأخوذة من عاداتهم الهروب للوهلة الأولى من وجه الخصوم، ثم مجابهته والتصدي له لدى صيحة كنجرت.

قال كباشي: فرسان كنجرت منك جرت حُودة، وهي لقب لهم لأنهم إذا رأوا العدو إنزاحوا عنه وبدوا هاربين ثم يتنادون كنجرت أي وجهوا الخيل إليه فيحاربون (عون الشريف قاسم- قاموس اللهجة العامة في السودان، ص 162.