آخر الأخبار

الملف الأسود لجرائم الجنجويد..المليشيا تحرق الإرث المستندي لمحطة بحوث ام بنين

المليشيا تشلع معمل التلقيح الصناعي
سرقة أبواب وشبابيك منازل العاملين
حظائر الأبقار لم تسلم من عبث الجنجويد
تحقيق ــ التاج عثمان:
الملف الأسود لجرائم مليشيا الدعم السريع المتمردة في حق الشعب السوداني الملطخ بالدم شمل كافة الإنتهاكات التي لا تخطر على بال أحد.. لم تترك هذه المليشيا المتوحشة شيئا وإلا دنسته بحقدها ولوثته بغليلها.. ومن أكثر جرائمها سوداوية ما فعلته بأكبر وأهم محطة بحوث للثروة الحيوانية ليس في السودان فحسب بل على نطاق العالمين الأفريقي والعربي.. التحقيق الميداني التالي يكشف تفاصيل هذه المأساة الموجعة
أبقار الكنانة:


تقع محطة بحوث ام بنين للثروة الحيوانية على مشارف كيلو مترات قليلة جنوب شرق مدينة سنجه عاصمة ولاية سنار قرب مدينة ام بنين، أنشئت عام 1957 أي ان عمرها حوالي 65 عاما، بغرض تحسين نسل الماشية.. وتعد المحطة من أقدم وأهم محطات بحوث الثروة الحيوانية ليس في السودان فحسب بل على نطاق العالمين الأفريقي والعربي لكونها تذخر ببحوث علمية نادرة غير مسبوقة في مجال تحسين نسل الماشية وإبتكار تقنيات حديثة لتغذية سلالات الماشية المنتجة للألبان.. معلوم انه يوجد بالسودان 8 محطات أكبرها محطة ام بنين والغزالة جاوزت، بجانب محطة بحوث أبقار البطانة بعطبرة.. وتكمن أهمية محطة ام بنين لوقوعها في عمق موطن ابقار الكنانة والتي تعد من أكثر السلالات إنتاجا للألبان في السودان، قد تتفوق عليها أبقار البطانة قليلا في إنتاج الألبان، وتحمل الظروف البيئية الصعبة والأمراض وهي من الميزات التي تنفرد بها أبقار الكنانة.
ومن هنا تكمن أهمية محطة بحوث ام بنين في منطقة الثقل لأبقار الكنانة لدفع إنتاجيتها ومن ثم يرتفع التحسين لبقية السلالات لعملية إنتاج الالبان واللحوم.. حيث أثبتت التجارب ان بقرة الكنانة لها مواصفات جيدة في إنتاج اللحوم في معدلات النموء.. والمحطة أدت اداءا ممتازا منذ إنشائها، وحتى اول التسعينات كان أدائها ممتازا ثم إنحدرت بعدها لأسباب عديدة يعلمها جميع من يهتم بشأن الثروة الحيوانية في السودان.


تدمير المحطة:
من خلال المساحة القادمة يحدثنا مدير المحطة د. بيطري، حاتم دران، عما فعلته مليشيا الدعم السريع المتمردة بمحطة بحوث الثروة الحيوانية بأم بنين بقوله:


من العام 1922 بدأت عمليات إعادة إنعاش المحطة، حيث تدخلت منظمة الفاو عبر إتفاقيات مع المحطة وبدأنا في إنشاء معمل حديث للتلقيح الإصطناعي لتتم عملية التلقيح بالوسائل الحديثة بدلا عن إتباع الوسائل التي كانت سائدة في السابق حيث كان يتم التحسين عبر الطلوقه مباشرة، ويتم التوزيع للمربين ومتابعة عملية التحسين.. لكن عبر المعمل الحديث يستطيع الباحث الوصول الي قرى ومناطق عديدة في اليوم الواحد، وخلال سنتين او ثلال يمكن ان تنتقل عملية التحسين لمراحل بعيدة بإستخدام ثور واحد ــ طلوقه ــ ما يقلل عدد الإحتفاظ بالذكور في القطعان.. وفعلا بدأنا في إنشاء المعمل الحديث وإعادة إنعاش المحطة عموما.
لكن للأسف جاءت الطامة الكبرى بدخول المليشيا لمدينة سنجه ومن ثم للمحطة والتي عاثت فيها نهبا وتدميرا واسعا وشاملا لم يسلم من عبثهم شيء، حيث دمرت ونهبت المليشيا المكاتب عن بكرة ابيها، تم نزع وسرقة كل الأبواب والنوافذ،كما قامت المليشيا بإحراق توصيلات الكهرباء، وحرق الإرث المستندي بالكامل والذي يحتوي على خلاصة التجارب والبحوث العلمية في مجال الثروة الحيوانية، بجانب حرق كل ملفات العاملين ومعلوماتهم ومكاتبات ومستندات ووثائق المحطة منذ العام 1957 ،وسرقة جميع قطيع الأبقار الذي كان موجودا بالمحطة ومنه أبقار الأبحاث والتي لا تقدر بثمن ولا يمكن تعويضها قريبا.. كما قامت المليشيا بإتلاف حظائر الأبقار وسرقة السياج الحديدي، وإتلاف خطوط المياه والآبار، ومصنع العلف، وسرقة 2 جرار ولوري.. وللأسف قامت المليشيا أيضا بتدمير وسرقة كل منازل العاملين والموظفين وتم نزع السراميك والسقوفات، وسرقة مخزن المحطة الرئيسي، حتى أعمدة الكهرباء لم تسلم منهم حيث قاموا بإسقاطها ارضا وسرقة السيخ داخلها، حتى الأشجار المعمرة التي تتميز بها المحطة قامت المليشيا بقطعها وإستخدامها كحطب وقود لطهو طعامهم.. فالمليشيا دمرت المحطة دمارا شاملا كاملا.. والمحطة الأن تعتبر بادية من الصفر.. والحمدلله معامل التلقيح الصناعي سلمت من هذه الكارثة التي لحقت بالمحطة حيث أنها لم تصل للمحطة بل كانت بميناء بورتسودان تحت إجراءات التخليص.
وبالرغم الدمار الذي لحق بمحطة أبحاث ام بنين إلا أننا عقدنا العزم بمواصلة المسيرة ولن نتوقف.. وقمنا الأن بصيانة مكتبين وأحضرنا لهما الأبواب والنوافذ التي سرقتها المليشيا.. والأيام القادمة سوف نقوم بصيانة معمل التلقيح الصناعي فهو مهم جدا للمحطة وتعاهدنا إيصاله للمرحلة التي كان يقف بها بعد تدخل الفاو حتى تواصل المحطة عملها في تحسين نسل الأبقار والوصول لكل مناطق تجمعات الأبقار.
شاهد عيان:
للحقيقة المجردة، كنت شاهد عيان لبداية إعادة نهضة وتعمير محطة بحوث ام بنين للثروة الحيوانية والتي إنطلقت العام الماضي قبل تدنيس مليشيا الدعم السريع المتمردة لعاصمة ولاية سنار سنجة وإستهدافها للمحطة نهبا وتدميرا لأجهزتها ومعداتها البحثية التي لا تفقه فيها المليشيا المتمردة شيئا وبالتالي لا تعرف قيمتها العلمية لقطاع الثروة الحيوانية والتي تضررت كثيرا من عبث المليشيا (المقصود) بها.
فاثناء فترة نزوحي من الخرطوم لسنجه إلتحقت بالعمل متعاونا بصحيفة (نبض السلطنة الزرقاء)، والتي تصدر من إدارة الإعلام بحكومة ولاية سنار وتشرف عليها الزميلة الإعلامية النشطة (ثنيه الصادق) مديرة إدارة الإعلام بالولاية وكوكبة من الصحفيين والصحفيات المحليين ومنهم متعاونين من الجنسين نازحين ونازحات من الخرطوم إستوعبتهم الصحيفة وقامت بتدريبهم وصقل مهاراتهم الصحفية بإشراف مباشر من الزميلة (ثنية)، والزملاء عادل سليمان، وسعيد آدم رحمه، ومحمد العاقب.. وأذكر أنني أجريت تحقيقا صحفيا بنبض السلطنة عن النهضة التي بدأت تعود لمحطة بحوث ام بنين، حيث كنت شاهد عيان للعمل الذي كان يجري وقتها على قدم وساق لإعادة محطة البحوث لسابق عهدها، ولكن المليشيا عصفت بكل تلك الجهود والتي كان يقودها نفس المدير الحالي لمحطة البحوث د. حاتم دران، والذي كانت له بصمات واضحة وملموسة في إعادة المحطة لسابق عهدها الذهبي تناولتها بالتفصيل ميدانيا من داخل المحطة برفقة زميلي الصحفي (آدم)، ولكن كل تلك الجهود، للأسف، ذهبت أدراج الرياح بالجريمة النكراء التي إرتكبتها المليشيا بمحطة البحوث عند إحتلالها لمدينة سنجة.. والعزاء ما ذكره مدير محطة الأبحاث عبر التحقيق الصحفي عن المجهودات الجارية الان لإعادتها لسابق عهدها بإصرار وتحدي كبيرين من كل العاملين بالمحطة.. ولأهمية محطة بحوث ام بنين القصوى لترقية الثروة الحيوانية بالولاية وكل السودان، نتمنى ان تتكامل جهود الولاية ووزارة الثروة الحيوانية للوقوف معا لإنقاذ محطة بحوث ام بنين حتى تقف على رجليها، وهو ليس بالأمر الصعب.